لعب التشتت الفكري دورًا كبيرًا في عجز الديمقراطية في البلاد العربية، ففي أوروبا هناك حزبان -في الغالب مثلمًا هو الحال في أمريكا وإنكلترا- يتنافسان على السلطة، ينطلقان من عقيدة واحدة في الأساس ولذلك لا تختلف سياسة أحدهما عن الآخر في حقيقة أمرها، وكل خلافاتهما لا يكون إلا ظاهريًا وبحسب ما تتطلبه لعبة الكراسي التي يلعبونها باسم الديمقراطية! فكل من هو خارج الحكم يعارض من فيه بالحق وبالباطل ، وما أن يصل هو نفسه إلى الحكم حتى يؤيد كل ما قام به سابقه ويزيد عنه في ذات الاتجاه، مما جعل الأفغاني مثلًا يهاجم حزب الأحرار الذي كان يعارض المحافظين ويدعوهم إلى تحرير البلاد المستعمرة إذ قال:"صاروا على الأمم أشد من الحزب المحافظ، وزادوا في التحريج والتضييق وأحكموا خلق العبودية وشددوا ربط الرقبة وضيقوا المجال على النفوس التي تهوى الحرية وتميل إليها... بعد أن نادوا بأعلى صوتهم بفك رقاب الأمم من العبودية وكأنهم عن انعزالهم ما كانوا يحامون عن حرية الأمم، إلا لأن يأخذوا زمام الحكومة بأيديهم فجعلوا المحاماة عن الحق آلة للوصول إلى باطلهم" (1) . وحتى في حالة وجود أحزاب أخرى فهي صغيرة وأضعف من أن تكون مؤثرة بجانب هذين الحزبين ؛ مما يجعلها تأتلف مع أحدهما أو تتلاشى من نفسها من غير أن تمثل لهما منافسة لها خطرها عليهما أو على دولهما الصناعية الكبيرة ، التي كل ما عداها أصغر وأضعف من أن يستطيع التأثير في أحزابها وديمقراطيتها!
(1) …علي شلش: الأعمال المجهولة، الأفغاني، ص 101- 103.