الصفحة 56 من 102

المؤسسات الفرنسية في الدول الخاضعة لفرنسا والمؤسسات البريطانية في الدول الخاضعة للنفوذ البريطاني، بغض النظر عن ملاءمة هذه المؤسسات لحال الدول العربية وأوضاعها المحلية. وفوق كل ذلك لم تسمح للمؤسسات التي أوجدتها هذه أن تعمل بحرية بحيث تتمكن من تكييف نفسها للأوضاع القائمة في البلاد ؛ بل كثيرًا ما كانت تفرض القيود عليها كلما لاح من هذه المؤسسات ما يناقض مصالحها، فنجد بريطانيا مثلًا في الوقت الذي تؤيد فيه سيطرة البرلمان على الحكومة ضد رغبة الملك كان قناصلتها في العراق وغيره يفضلون تعزيز سلطة الحكام وإعطاءهم حق النقض لقرارات البرلمان (1) ، هذا غير أن النماذج التي طبقتها الدول الأوروبية من مفاهيم الديمقراطية في البلاد العربية كان مهلهلا، إذ هي فرضت على هذه البلاد ما شاءت من أنظمة ودساتير، وحتى عندما كانت تجري استفتاء على أمر ما، كانت تدبره بشكل يجعل نتيجته توافق ما كانت قد قررته مسبقًا ويحقق مصالحها، وكانت تعامل الحكام بصلف وتفرض عليهم إرادتها، ففي العراق مثلًا كان تعامل بريطانيا مع الملك -وورثته ونظام الحكم ككل- ومنذ أول إنشاء الدولة خرقًا للديمقراطية ؛ فبعد مرور 28 يومًا على تنصيب فيصل ملكًا على العراق قدم بيرس كوكس، المندوب البريطاني مسودة معاهدة مع بريطانيا تتضمن أسس الانتداب ومطالبه وأغراضه ، والتي كانت كلها لصالح بريطانيا ؛ مما جعل الحركة الوطنية - الأحزاب التي أجيزت بعد ذلك- تعارضها وتطالب من التعديلات فيها ما لا يتفق ومطامع بريطانيا، فعمد كوكس منتهزًا مرض الملك فيصل إلى اعتقال زعماء الحركة والأحزاب هذه ونفيهم إلى جزيرة هنجام، على مضيق هرمز، وعزل بعض المسؤولين في الألوية وأرسل الطائرات لتقصف العشائر المؤيدة للحركة الوطنية !!

(1) …ذات المصدر ص 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت