الصفحة 54 من 102

( إن إلحاح الدول الأوربية على الديمقراطية وتحريض الشعوب على المطالبة بها كحقوق إنسانية قبل الاحتلال وهدرها بعده كما حدث في مصر وغيرها من البلاد المحتلة، واستخدامها وسيلة لإسقاط الحكام المعارضين ولإضعاف الدولة العثمانية وإسقاطها، جعل الزعماء العرب الأوائل والأواخر، يفهمونها كذلك وسيلة للمعارضة وهدم الأنظمة القائمة لا غير ، تنتهي مهمتها عندما تحقق أغراضها هذه وليس حلًا لأزمة الحكم، خاصة وأنه لم يكن هناك قبل الاحتلال وقبل التدخل الأوروبي أزمة حكم، ولهذا جعلوا أشخاصهم وأحزابهم فوق هذه الديمقراطية التي يدعون لها مع الداعين، وقد أكد الأفغاني هذا الاتجاه عند الزعماء والأحزاب عندما قال: تتخيل الأمة من وراء وعود الحزب سعادة ورفاه وحرية واستقلال ومساواة... فيؤازرون الحزب بكل معاني الطاعة والانقياد والنصرة والتضحية و... الخ فإذا ما تم للحزب ما طلبه من الأمة واستحكم له الأمر، ظهرت هنالك في رؤساء الأحزاب الأثرة والأنانية...الخ.(1) .

ولذلك نجد مثلًا أن الملك فيصل الذي قاد الثورة العربية باسم الحرية والديمقراطية والذي استفاد مما أحدثته الدعوات هذه من فجوة بين الحكام العثمانيين والرعية رفض إعطاء المجلس حق طرح الثقة بالحكومة فقال في المؤتمر السوري الوطني الذي كان مجتمعًا لوضع دستور لسوريا:"إنني أنا الذي أوجدته فلا أعطيه هذا الحق الذي يعرقل عمل الحكومة"!! مما جعل رشيد رضا يقول له:"نعم إن لك فضلًا بالسماح بجمعه إذ كنت تحكم هذه البلاد... أما وقد اجتمع - المؤتمر- باسم الأمة وهي صاحبة السلطان الأعلى بمقتضى الشرع الإسلامي وبمقتضى أصول القوانين العصرية... أن تكون الحكومة مسؤولة تجاهه" (2) . ويذكر مجيد خدوري أن الملك فيصل تابع، حتى بعد أن أصبح ملكًا على العراق (1921-1932) سيطرته على الحكومة، ولم يلتفت إلى الدستور في العراق أكثر مما فعل في سوريا (3) .

(1) …عزت قرني: العدالة والحرية في عصر النهضة ص 251 - 252.

(2) …مجيد خدوري: الاتجاهات السياسية في العالم العربي ص 295.

(3) …ذات المصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت