تمهيد
ملامح من بيئته وعصره
لابدّ قبل الحديث عن حياة الشيخ أحمد عزّ الدين البيانونيّ، من إلمامة موجزة، بواقع بلاد الشام، سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا في الفترة التي عاشها رحمه الله وهي:
ما بين 1329 ـ 1395 هجرية، الموافق / 1913ـ 1975م.
وبادئ ذي بدء نقول: لا يخفى أنّ أهمّ غرض من دراسة العصر الذي عاش فيه أيّ مترجمٍ له: أن نرى مدى تأثّره بعصره، ومدى تأثيره فيه، إذ إنّ من الناس من يعيش بجسمه في عصره، ويعيش بروحه في قرون أخرى، ومع أقوام آخرين .. وجميل أن يعيش الإنسان بروحه مع قرون خيّرة، ينهل من معينهم، ويضرب بسهم من غنائمهم، ويتقلّب في رحاب ما تألّقوا فيه من روح الدين وحقائقه، وسموّه ورفعته .. ولكنه ربما اصطبغ سلوكه وتفكيره بجوانب من الأذواق الخاصّة، والعادات والسلوكات التي كان عليها بعضهم، ممّا لا يعلي قدرًا، ولا يرفع ذكرًا، ولا يدلّ على فقه في الدين أصيل، أو وعي بنصرة الحقّ نبيل، فتتأثّر بذلك عقليّة المعاصر وفكره، وربّما تدفعه إلى سلبيّة، تجعله لا يعيش واقعه، ولا يحسن التعامل معه، أو التأثير فيه.
وقد صادفنا نماذج من ذلك في حياتنا، لا مجال لبسط القول عنها هنا بأكثر من ذلك، ممّا يكفي اللبيب بالإشارة عن التوسّع في بسط العبارة ..
ولن نتوسّع في هذا المدخل التمهيديّ، وإنّما نقدّم إلماحات عن الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة، مع الإشارة إلى بعض السمات الإنسانيّة، التي تميّز بها أهل بلاد الشام ممّا جعلهم أهل الخصوصيّة والثناء ..
* الأوضاع السياسية:
كانت ولادة الشيخ في أخريات أيام الدولة العثمانية [1] ، التي كانت في تلك الأيام في أسوأ حالات ضعفها، تتكالب عليها قوى الإستعمار من الشرق والغرب بمخططاته وأطماعه، وتنقصها من أطرافها، وتؤلّب عليها بعض رعاياها، ممّأ آل إلى انهيار الدولة وتهديم الخلافة.
وقد أصبحت الدولة العثمانية من الضعف وأسبابه، والتصدع وآثاره، والتخلف ومظاهره، على حالة قد استعصت على كل المحاولات المخلصة الجادّة لإنقاذها التي قام بها السلطان عبد الحميد رحمه الله، لإنقاذ الخلافة، وإعادة قوّتها وهيبتها.
(1) ـ استطاعت"جمعيّة الاتّحاد والترقّي"بقيادة أنور ونيازي وشوكت أن تنجح في ثورتها على السلطان عبد الحميد الثاني وترغمه على إعادة الدستور، ثمّ أن تخلعه سنة /1909 م، انظر التاريخ الإسلاميّ، للدكتور أحمد شلبي 5/ 388/، وتعليقات شكيب أرسلان على حاضر العالم الإسلامي، ومذكّرات السلطان عبد الحميد الثاني.