اصفر وجهه ، شحب لونه ، بردت أطرافه ، تجعد جلده ، بدأ يشعر بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه !!
فينظر في لحظة السكرة والكربة فيرى الغرفة التى هو فيها مرة فضاءً موحشًا ومرة أخرى أضيق من سم الخياط .
وينظر مرة فيجد أهله يبتعدون عنه وأخرى يقتربون منه ، اختلطت عليه الأمور والأوراق !!
من هذا ..؟!! ملك الموت !! ملك الموت عند رأسه ، ومن هؤلاء الذين يتنزلون من السماء ؟!!
إنه يراهم بعينه ، إنهم الملائكة !! يا ترى ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟!!
يا ترى ماذا سيقول ملك الموت ؟!!!
هل سيقول لى الآن يا أيتها الروح الطيبة اخرجى إلى مغفرة من الله ورضوان ورب راض غير غضبان ؟!!
أم يقول يا أيتها الروح الخبيثة اخرجى إلى سخط الله وعذابه ؟
ينظر لحظة الصحوة بين السكرات والكربات ، فإذا هو يعى من حوله من أهله وأحبابه فينظر إليهم نظرة استعطاف !! نظرة رجاء !!
فيقول بلسان الحال وربما بلسان المقال: يا أولادى .. يا أحبابى .. يا أخوانى لا تتركونى وحدى ، ولا تفردونى في لحدى !!
أنا أبوكم ، أنا الذى بنيت لكم القصور !! أنا الذى عَمَّرت لكم الدور! أنا الذى نمَّيت لكم التجارة !! فمن منكم يزيد في عمرى ساعة أو ساعتين؟
فدُّونى بأموالى .. فدُّونى بأعماركم !!
وهنا يعلو صوت الحق كما قال جل وعلا:
{ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } [الحاقة: 28،29 ]
وقد سجل التاريخ لهارون الرشيد عندما نام على فراش الموت فنظر إلى جاهه وماله وقال: ما أغنى عنى ماليه هلك عنى سلطانيه !!
ثم قال: أريد أن أرى قبرى الذى سأدفن فيه !!
فحملوه إلى قبره ، فنظر هارون إلى القبر وبكى ونظر إلى السماء وقال:
يا من لا يزول ملكه ... ارحم من قد زال ملكه .
أين الجاه ؟! أين السلطان ؟! أين المال ؟! أين الأراضى والأطيان ؟! ذهب كل شئ !!
سبحانه ... سبحانه ... سبحانه .