وبعد: فإذا لم نتخلق بأخلاق الأكابر والعظماء فلا أقل من أن نتخلق بأخلاق الملاكمين والمصارعين؛ حيث تبدأ الجولات بين الخصمين باللكمات والضربات، وتنتهي بالمصافحة والقبلات!
لا أعني بالجمال ههنا الجمال الحسي, وإنما أعني به الجمال المعنوي؛ فقد يكون الإنسان جميل الصورة، حسن الهيئة، وهو عريٌ من الفضائل، خال الوفاض من الأخلاق.
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم ... إذا كانت الأخلاق غير حسان
فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى ... فما كل مصقول الحديد يماني
وقال ابن لنكك:
إذا أخو الشمس أضحى فعله سمجًا ... عَدَدْتَ صورتَه من أقبح الصور
وهبك كالشمس في حسن ألم ترنا ... نَفِرُّ منها إذا مالت إلى الضرر
ومعنى البحث عن الجمال ههنا أن تبحث عن المعاني الجميلة في الناس؛ فقد ترى الرجل بادي الرأي؛ فيخيل إليك أنه كزٌّ غليظ, لا يطاق, فإذا باثثته وكشفت عن جلية أمره، وأحسنت الدخول إلى قلبه _ وجدت نفسًا رضية,وأخلاقًا مرضية, ومروءات كامنة, وإحساسات مرهفة؛ فتحمد الله _حينئذ_ أنك لم تستعجل في إصدار الحكم, أو تصديق الظن الأَوَّلي.
وبعدُ فابحث عن الحق, والخير, والجمال, ولا تظنن أن الناس متمحِّضون للشر؛ فكل مولود يولد على الفطرة، وغالبًا ما يكون فيه بقايا من تلك الفطرة، وإن بلغ ما بلغ من الشر.
كثيرًا ما تطرَّق النقاد والأدباء إلى تعريف الشعر, وحدِّه, ولا ريب أن التعريف يَضْبِطُ, ويُقَرِّب, ولكن الشعر قد يصعب أن يُعَامَل معاملة العلم؛ فَيُضْبطَ بالتعريفات المنطقية؛ ذلك أن المنطق جفاف، وجمود, وتقعيد, وربما تعقيد, والشعر شعور، وسيلان, وإشارات على حد قول البحتري:
كلفتمونا حدود منطقكم ... والشعر يغني عن صدقه كذبه
ولم يكن ذو القروح يلهج بالـ ... ــمنطق ما نوعه وما سببه
والشعر لَمْحٌ تكفي إشارته ... وليس بالهذر طُوِّلَتْ خُطَبُه