فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 161

وأن يكون ذلك ديدنه في حال إقامته أو سفره, وفي حال سرائه, وضرائه.

وأحْرِ بذي اللب أن يقوم بخدمة أقاربه, وأصحابه, ومخالطيه, وأن يطَّرح روح الكسل والبطالة.

وأَخْلِقْ بمن خُدِم, وأسدي إليه شيء من المعروف أن يطلق يده بالعطاء لمن خدمه وأسدى إليه.

وإذا لم يسعده ماله فليسعده لسانه بالشكر, والدعاء، والثناء.

وكم حصل من جراء التفريط في هذا المعنى من ضياع حقوق, وقيام مشاحنات, وغياب روح الألفة.

لو استعرضت كتب السير, أو التراجم, أو دواوين الشعر لوجدت مُرَّ الشكوى من الزمان, وتغير الأحوال يصدق عليهم قول الشاعر:

كل من لاقيت يشكو دهره ... ليت شعري هذه الدنيا لمن

بل تجد أن أكثرهم يثني على ما مضى من زمانه إبان طفولته, ويصف الناس بالبراءة والصفاء وطهارة القلب.

وبعد أن يبلغ من العمر ما يبلغ تراه يذم أحوال الناس, وأنها تغيرت, وأن القلوب ران عليها ما ران من أدران الحقد, والبغضاء, وما جرى مجرى ذلك.

وهذه الشكوى قديمة, ومن أشهر ما يُذكر في ذلك ما جاء عن أم المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_ حين قالت: رحم الله لبيدًا حين قال:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خَلْف كجلد الأجرب

تقول أمنا عائشة: فكيف لو أدرك لبيد زماننا ماذا سيقول؟

ثم توارد كثير ممن بَعْدَها على القول بمثل مقولتها.

وكم من الناس من يقول ذهب الناس وبقي النسناس, أو فسد الزمان ولا دواء له.

والحقيقة أن لتلك الشكوى حظًا من النظر من جهة العموم, ومن جهة الشاكي على وجه الخصوص, أما من جهة العموم فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه؛ حيث تفتح على الناس أبواب من الشر لم تكن موجودة من قبل ذلك, ولهذا قال عمر بن عبدالعزيز×: =يحدث للناس أقضية بقدر ما يُحْدِثون من الفجور+.

ومن جهة الشاكي أنه في مقتبل عمره يعيش الطهر, ويأخذ الناس على ظواهرهم، فإذا أكثر من معاشرتهم, وأدمن النظر في تحليل الحوادث رأى ما لا يروقه من فساد بعض الطباع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت