فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 161

والذي يهون عليك هذا كله: مشاهدة تلك المشاهد [1] العشرة المتقدمة فعليك بها؛ فإن فيها كنوز المعرفة والبر.

وقوله: (سماحة لا كَظْمًا ومَودَّة لا مصابرة) .

يعني: اجعل هذه المعاملة منك صادرة عن سماحة, وطيبة نفس, وانشراح صدر, لا عن كظم, وضيق ومصابرة؛ فإن ذلك دليل على أن هذا ليس في خلقك, وإنما هو تكلف يوشك أن يزول, ويظهر حكم الخلق صريحًا, فتفتضح, وليس المقصود إلا إصلاح الباطن والسر والقلب.

وهذا الذي قاله الشيخ لا يمكن إلا بعد العبور على جسر المصابرة والكظم, فإذا تمكن منه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون الله, والله أعلم+.

ثم انتقل بعد ذلك إلى شرح كلمات لأبي إسماعيل في شرح الدرجة الثالثة, ومنها قوله: =واعلم أَنَّ مَنْ أَحْوَجَ عدوَّه إلى شفاعته, ولم يخجل من المعذرة إليه لم يشم رائحة الفتوة+.

قال ابن القيم شارحًا هذه العبارة: =يعني أن العدو متى علم أنك متألم من جهة ما نالك من الأذى منه احتاج إلى أن يعتذر إليك, ويُشَفِّع إليك شافعًا ما قلبك منه.

فالفتوة كل الفتوة أن لا تحوجه إلى الشفاعة, بأن لا يظهر له منك عتب, ولا تغير عما كان له منك قبل معاداته, ولا تطوي عنه بِشْرَكَ ولا بِرَّكَ, وإذا لم تخجل أنت من قيامه بين يديك مقام المعتذر لم يكن لك في الفتوة نصيب.

ولا تستعظم هذا الخلق, فإن للفتيان ما هو أكبر منه, ولا تستصعبه؛ فإنه موجود في كثير من الشطار والعشراء الذين ليس لهم في حال المعرفة، ولا في لسانها نصيب؛ فأنت أيها العارف أولى به+.

وبعد: فهذه معالم, وإشارات في الفتوة؛ فما أحوجنا, وما أحوج شبابنا, ومربينا, وطلاب العلم منا إلى هذه الخصلة الحميدة, حتى يجمعوا إلى جانب العلمِ العملَ, وإلى جانب الدعوةِ الخلقَ, فيكونوا معالم هدى, ومصابيح دجى.

وأجدر بكل عاقل أن يأخذ بهذه الخلة الشريفة في تعامله مع والديه, وزوجه, وأولاده, وأرحامه, وأصدقائه, بل ومع الناس كل بحسبه.

(1) 1_ لعله يقصد مشاهد المعصية. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت