مكة اثنا عشر ميلًا فحمل إلى مكة فدفن فيها، فلمّا قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
فلما تفرَّقنا كأني ومالكًا لطولِ ... اجتماع لم نبت ليلة معا
ثم قالت:"والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك".
أخرجه ابن أبي شيبة [1] ، واستدركه الهيثمي فأورده في"المجمع" [2] ، وقال:"ورواه الطبراني في"الكبير"ورجاله رجال الصحيح"، فوهم في الاستدارك لإخراج الترمذي له، ورجاله رجال الشيخين، لكن ابن جريج مدلس وقد عنعنه، فهو علة الحديث.
ومع ذلك فقد ادعى ابن القيم [3] أنه:"المحفوظ مع ما فيه"، كذا قال؛ بل هو منكر لما ذكرنا؛ ولأنه مخالف لرواية يزيد بن حميد -وهو ثقة ثبت- عن أبي مليكة، ووجه المخالفة ظاهرة من قولها:"ولو شهدتك ما زرتك"؛ فإنه صريح في أن سبب الزيارة إنما هو عدم شهودها وفاته، فلو شهدت ما زارت، بينما حديث ابن حميد صريح في أنها زارت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزيارة القبور، فحديثه هو المحفوظ، خلاف ما ذهب إليه ابن القيم -رحمه الله-، وأما ما ذكره من تأول عائشة فهو محتمل، ولكن الاحتمال الآخر وهو أنها زارت بتوقيف منه - صلى الله عليه وسلم - أقوى بشهادة حديثها الثاني [4] "."
ثم قال -رحمه الله-:"فقد تبين من تخريج الحديث أن المحفوظ فيه إنما هو بلفظ:"زوارات"؛ لاتفاق حديث أبي هريرة وحسان عليه، وكذا"
(1) في"المصنّف" (4/ 410) .
(3) "التهذيب" (4/ 349) .
(4) "أحكام الجنائز" (233) .