ولكنه سبحانه وتعالى يحب أن يعبد وأن يقدس وأن يمدح ويثيب على ذلك، وهو كذلك يكره الكفر ويمقت الكافرين جل وعلا. والمهم هنا أن من مقاصد التشريع الأولى العبادة بل العبادة هي المقصد الأسمى التي من أجلها خلق الله الملائكة والجن والإنس.
ولذلك كان من فروع هذه الغاية تشريع أوامر قد لا تبلغها عقول المكلفين وذلك لاختبار طاعتهم وتحقيق عبوديتهم. وذلك أن العبادة هي الطاعة المطلقة فيما عقل معناه من المكلف وفيها لم يعقل معناه أيضا مع كمال الذل والخضوع وحب الآمر. وهذا يفسر لنا كثيرا من أوامر الشريعة التي لا نص على حكمه مشروعيتها، ولا استنباط متفقا عليه لهذه الحكمة كتقبيل الحجر الأسود، والطواف بالبيت ورمي الجمار، والسعي، وإعداد الركعات ونحو ذلك من الأوامر والأحكام.
ثانيًا: إنشاء المسلم الصالح:
القصد العام الثاني من مقاصد الشريعة هو إنشاء الإنسان الصالح، والإنسان الصالح هو المسلم الصالح، والمؤمن التقي والإسلام والإيمان هنا بمعنى واحد وإذا استقرأنا نصوص القرآن والسنة في هذا الصدد تحصل لنا مواصفات هذا الإنسان وأنه العليم بالله، التقي البار، الخائف من ربه كما قال تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} (الأنفال:2،3) وقوله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (الحجرات:85) وقوله تعالى {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} (البقرة:177) .
فالذين وصفتهم هذه الآيات هم المؤمنون الذين أنزلت الشريعة من أجل بنائهم وإنشائهم، وأرسل الرسول من أجل تربيتهم وتزكيتهم قال تعالى {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (الجمعة:2) .
وقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم عمره الرسالي متعهدًا أصحابه مربيا لهم مزكيا لهم لنفوسهم وذلك بتعليمهم كتاب الله المشتمل على قواعد التربية وأصول الأخلاق، ومقومات تزكية النفوس، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثال بنفسه ليكون أسوة وقدوة فكانت سنته مطبقة وشارحة للقرآن.