وذلك حفاظا على هذه الحاسة الجليلة والسر والعظيم الذي أضحى به الإنسان إنسانًا، فشرعت لذلك عقوبة رادعة وهي الحد أربعين جلدة (على الراجح والصحيح) وحرمت كل سبيل يوصل بها إلى الخمر كما قال صلى الله عليه وسلم: [إن الله لعن في الخمر عشرًا: زارعها وعاصرها، ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وشاربها، وحاملها والمحمولة إليها، وساقيها وشاربها] . وحرم كذلك كل ما يفتر العقل كما جاء في الحديث: [نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر] (رواه الإمام أحمد وانظر صحيح الجامع(6854 ) ) ، وهذا يدخل فيه كل ما يخدر الجسم وينيم العقل والإحساس. وكل ذلك ولا شك للحفاظ على العقل الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة.
* وأما العقل الذي هو ملكة الفهم، وقواعد الإدراك فإن الإسلام قد جاء أيضا بما يحافظ على سلامة الفهم فنهى عن نشر الخرافات والخزعبلات، والأوهام وأمر أن يطالب كل أحد بدليل ما يقول. ونهى عن السحر والكهانة وادعاء علم الغيب، والاتصال بالجن وكل ما من شأنه أن يشوش الفهم السليم، ويصرف العقل عن مساره الصحيح. وفرض في بعض هذه الأمور عقوبات رادعة، وإن كان بعضهما يدخل في باب الحفاظ على الدين، لأن بعضا منها قد يؤدي إلى الردة والكفر ومعلوم أن حد الردة قد شرع حفاظا على الدين.
سادسًا: الحفاظ على المال:
المال قوام الحياة ولا قيام لإنسان ولا بقاء له إلا بالمال فهو الطعام والشراب والسكن والعدة والعتاد. وقد وصفه الله بذلك فقال: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} (النساء:5) فالمال قوام الحياة.
وقد شرع الله سبحانه وتعالى من التشريعات ما يكفل الحفاظ عليه، وتنميته بكل وسيلة صالحة، فأباح الله للمسلمين أن ينموا أموالهم بالزراعة، والصناعة، والرعي، وإحياء الموات واستخراج المعادن، والصيد، والتجارة، والإجارة، والمشاركة والمقارضة، ووضع التشريعات التي تكفل تنظيم كل ذلك حتى لا يطغى شريك على شريك، ولا عامل على صاحب عمل، والعكس، ولا البائع على المشتري والعكس، ولا المستأجر على المؤجر والعكس وكل ذلك في نظام تشريعي يكفل العدل وتوزيع الثروة، وقيام الحافز وشحذ الهمة للربح والعمل.
-كما جعل للفقراء نصيبا في مال الأغنياء بالصدقة والزكاة حتى يتم التكافل والتحابب والتعاون، وتسد خصلات الناس جميعا.