الصفحة 37 من 748

فهذا الحديث يدل على اتحاد معناهما، ومن هنا فلا بد لي من دراسة معنى العبادة، وذكر المناسبة بينها وبين الدعاء، وبيان تعاقبهما في استعمال القرآن الكريم؛ حتى يتضح معناهما ومدى اشتراكهما في المفهوم.

المعنى اللغوي للعبادة ( ) :

يقال عبد الله يعبده عبادة ومعبدًا ومعبدة وعبودة وعبودية خضع له وذل له وأطاعه، وتألم لم وتنسك.

فالعبادة والعبودة والعبودية: الخضوع والتذلل، والطاعة والانقياد، والتأله والتنسك، يقال: طريق معبد، أي: مذلل، وطئته الأقدام وذللته.

قال طرفة بن العبد ( ) :

تباري عتاقًا ناحيات وأتبعت ... ... وظيفًا فوق مور معبد ( )

يعني بالمور: الطريق، وبالمعبد: المذلل الموطوء، ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج: معبد، كما يقال أيضًا للبعير المهنوء بالقطران: معبد.

قال طرفة بن العبد أيضًا:

إلى أن تحامتن العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبد ( ) وإنما قيل: معبد للبعير المهنوء بالقطران؛ لأنه يتذلل لشهوته القطران فلا يمتنع.

وذكر ابن فارس أن هذه المادة تدل على أصلين كأنهما متضادان:

أحدهما اللين والذل، والآخر الشدة والغلظ، فمن الأول العبد المملوك، والبعير المعبد، والطريق المعبد، ومن الثاني العبدة، وهي القوة والصلابة، يقال: هذا ثوب له عبدة إذا كان صفيقًا قويًا ( ) . هذا ومن استعمال العبادة بمعنى الطاعة والانقياد قوله تعالى: (( أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) ) [يس:60] أي: لا تطيعوه، وقوله تعالى: (( فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) ) [المؤمنون:47] أي: مطيعون متذللون لنا، يدينون لنا، والعرب تسمي كل من دان للملك عابدًا له ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت