فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 24

الفرد والخريج وبين وظيفته في المجتمع، وبذلك أصبح -في الأعم والأغلب- العلم هدفًا من أجل العلم أو الشهادة، وليس من أجل هدف آخر، وبذلك لم نستفد من ثمرات التعليم وبركاته، بل أصبحت كثرة الخريجين عبئًا إضافيًا على الأمة لما لم تستفد الأمة من علومهم وتحصيلهم وإنما أضافتهم إلى قطاع الموظفين الحكوميين الذي يتقاضون رواتب من مال الأمة ولا تسترد الأمة منهم مردودًا يوازي هذه الرواتب.

فما الفائدة إذا أنفقت الملايين في تعليم وتربية وتسليح جيش لا يحمي حياض الأمة، ولا يسهم في عزتها، ورد الأذى والعدوان عنها؟ وما الفائدة من إنفاق الملايين على تعليم آلاف المهندسين، وملايين الصناع، ولا توجد سياسة عليا للإنتاج؟ ولا قنوات صالحة لاستثمار هذا العدد الضخم من الفنيين والمهندسين؟! وما الفائدة من تعليم آلاف الفتيات علومًا لا تنفعهن في دينهن ولا دنياهن ثم رصهن في المكاتب والدوائر يتقاضين رواتب من مال الأمة ولا يسهمن إسهامًا حقيقيًا في نفع الأمة وإعلاء شأنها؟ وما الفائدة في تخريج المئات من العلماء والخطباء إذا لم يكن لهم وظيفة حقيقية في المجتمع من أجل التزكية والتعليم والتوجيه.

إن مجرد إحصاء المتعلمين والمتعلمات ليس دليلًا مطلقًا على أن المجتمع قد استفاد من التربية والتعليم وأصبح مجتمعًا صالحًا.

وأنا هنا لا ألوم مناهج التعليم بقدر ما ألوم السياسات العليا للأمة العربية .. وذلك أن الفرد يتكيف -في الأعم والأغلب- بما يسود مجتمعه .. فما الذي يحمل الطالب على أن يصبح صانعًا ماهرًا، أو معلمًا قديرًا، أو طبيبًا بارعًا، أو مخترعًا عبقريًا .. ما دام أنه سيخرج إلى مجتمع لا يجد النابهون المخلصون فرصتهم للعطاء والبذل، ولا مكانهم الملائم للعلم. وما دام أنه سيجد الوظيفة المريحة بالشهادة الجامعية التي يمكن أن يحصل عليها بوسائل كثيرة مريحة أيضًا دون عناء الكد والمذاكرة، والبحث والاستقصاء؟

والخلاصة أن الفلسفة العليا، والعقيدة السائدة، والمثل المحترمة المطبقة في المجتمع هي التي تخلق الأفراد، وتوجه سياسة التربية والتعليم وليس العكس ..

فالأمة اليابانية مثلًا لو لم يكن النظام فيها قائمًا على تقديس التراث واحترام الأمة بل وتقديسها، واعتقاد أن أرض اليابان هي أرض الشمس المقدسة، وأن كل عامل يجب أن يعمل للأمة تقديسًا وحقًا، ثم لنفسه وأن يستفيد من ثمرات كده وجهده، في إطار نظام اقتصادي حر يقوم على المنافسة والكسب بغير حدود .. لو لم تكن هذه السياسة العليا والعقيدة التي يحترمها الجميع موجودة لما كان لليابان هذا الدور الاقتصادي القائم حاليًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت