فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 24

مقارن لوجود الخالق، وأما الغزالي فهو -رحمه الله- ولو أنه بدأ حياته فيلسوفًا إلا أنه عاد وأكفرهم وبين تهافتهم، ثم عاد عن الفلسفة إلى التصوف وكانت آخر حياته أن هجر الحاضرة وسكن البادية هائمًا على وجهه، عليه مرقعة، وفي كتفه ركوة، وقد خلَّى للناس دنياهم وهجر حياتهم .. والغزالي رحمه الله وإن كان نموذجًا للزهد والانصراف عن الدنيا إلا أنه مع ذلك ليس نموذجًا للإسلام الصحيح، ولا للإنسان الصالح الذي نريد أن نعمر به الدنيا، ونبني الأجيال على غراره ..

والخلاصة أن علم التربية الذي يدرس الآن في معاهدنا وجامعاتنا كثير منه علم فاسد، مثله ما قدمناه من أهل الضلالة الذين لا يتسع المقام لبيان فساد عقائدهم ومناهجهم ونظرياتهم .. وقد غاب عن حملة هذا العلم في بلادنا العربية النماذج الحقة للتربية. غاب عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم مصلح ومرب عرفته البشرية، غاب عنهم المدرسة الفكرية والتربوية لابن عباس وابن مسعود الذي علم أمة كاملة في العراق، غاب عنهم المدرسة الفقهية العلمية التربوية للإمام أبي حنيفة والمثال العظيم في الزهد. غاب عنهم مدرسة الإمام مالك التي كان يأتيها طلاب العلم شهرًا راجلين من بلاد المغرب والأندلس .. غاب عنهم مدرسة الإمام الشافعي العالم المتنقل الذي أسس علم أصول الفقه وتصدى للانحراف الفكري والعقائدي الذي نشأ في وقته، وقوم أجيالًا كاملة وخلف بعده رجالًا وتراثًا وعلم ما زال يسطع نوره في الخافقين حتى قال عنه صنوه وتلميذه أحمد بن حنبل (كان الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للناس) .

غاب عنهم مدرسة الإمام أحمد بن حنبل الذي كان يلتف حول درسه مئات الألوف. ولما سجنه المهدي ليقول أن القرآن مخلوق التف حول سجنه أكثر من مائة ألف طالب وبأيديهم الأوراق والأقلام ينتظرون ماذا يتكلم به حتى يكتبون ..

غاب عن هؤلاء ولم يدرسوا المدرسة الكبرى للإمام ابن تيمية والتي أخرجت عشرات العلماء في كل علم؛ كابن كثير وابن القيم والإمام الذهبي والحافظ المزي، وكل واحد من هؤلاء كان قمة في العلم، غاب عنهم أن ابن تيمية هذا ترك وحده في علم المنطق والإلهيات والأخلاق والديانات والشرائع، ما لو جمعت كل حكمة فلاسفة الشرق والغرب ما بلغت ورقة منه، وأنه لا وجه للمقارنة بين ما تركه ابن تيمية وما تركه هؤلاء إلا كوجه المقارنة بين التبر والتراب.

ومن أجل ذلك فإن أمامنا طريق طويل ليتخرج عندنا علماء تربية يؤمنون بالإسلام ويعرفون تاريخه، لأنه لا يمكن لمن نشأ على غير الإسلام أن يُنشئ الأجيال عليه.

ثالثًا: النموذج المقترح للتربية المستقبلية في الوطن العربي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت