وإذا أردت أن تقف على نموذج من نماذج الهمم العالية والنفوس الراغبة فيما عند الله والدار الآخرة، فاقرأ عما كان من قتيبة بن مسلم رحمه الله فاتح بلاد المشرق وأحد الأبطال الشجعان، ومن ذوي الحزم والدهاء والرأي والثراء، وذلك لدى سماعه بهذا الحديث.
فقد جاء في رواية الدارمي أنَّ أحد الرواة وهو محمد بن واسع رحمه الله قال:"قدمت خراسان، فلقيت قتيبة بن مسلم، فقلت: إني آتيك بهدية، فحدَّثْتُه - يعني بحديث السوق - فكان يركب في موكبه فيأتي السوق، فيقوم فيقولها، ثم يرجع".
فانظر إلى حرص ذلك الأمير الكريم، والبطل الشجاع، كيف أنه صار من عادته أن يخرج بموكبه بما فيه من الوزراء والحرس والمستشارين وغيرهم من الحاشية، فلم تمنعه تلك الأُبَّهة من الحرص على نيل ما جاء من الوعد الكريم في ذلك الحديث، وقد فاز بإذن الله وأفلح بحرصه على الخير وعمله من أجله.
وبعد... فدونك هذه الخيرات العظيمة وتلك التجارة الرابحة يا أيها المحتسب... ويا من احتجت للسوق، فاحتسب أجرك عند الله بهداية الناس وإسداء الخير إليهم، مع الإكثار من ذكر الله في السوق وقَولْ ذلك الدعاء، وأبشر بربح التجارة... تجارة ليس كمثلها تجارة.
ولهذا كان بعض السلف يعمد إلى السوق لا لحاجة إلا لأجل أن يسلِّم على الناس ويذكِّرهم بالله.
ومما جاء في هذا ما رواه البخاري في «الأدب المفرد» [1] أن الطفيل بن أبي بن كعب رحمه الله كان يأتي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيغدو معه إلى السوق، قال:"فإذا غدونا إلى السوق لم يمرَّ عبد الله بن عمرو على سَقَّاط [2] ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا يسلِّم عليه."
(1) رقم (1006) وصححه العلامة الألباني رحمه الله فيه.
(2) وهو الذي يبيع سقط المتاع وهو رديئه وحقيره.