"صفحة رقم 190"
وسخرا لها . وقيل: ماء الأنهار لا يختلط بالماء الملح ، بل هو بذاته باق فيه . وقال ابن عطية: والعيان لا يقتضيه . انتهى ، يعني أنه يشاهد الماء العذب يختلط بالملح فيبقي كله ملحًا ، وقد يقال: إنه بالاختلاط تتغير أجرام العذب حتى لا تظهر ، فإذا ذاق الإنسان من الملح المنبث فيه تلك الأجزاء الدقيقة لم يحس إلا الملوحة ، والمعقول يشهد بذلك ، لأن تداخل الأجسام غير ممكن ، لكن التفرق والالتقاء ممكن . وأنشد القاضي منذر بن سعيد البلوطي ، رحمه الله تعالى: وممزوجة الأمواه لا العذب غالب
على الملح طيبًا لا ولا الملح يعذب
الرحمن: ( 22 ) يخرج منهما اللؤلؤ . . . . .
وقرأ الجمهور: ) يَخْرُجُ ( مبنيًا للفاعل ؛ ونافع وأبو عمرو وأهل المدينة: مبنيًا للمفعول ؛ والجعفي ، عن أبي عمرو: بالياء مضمومة وكسر الراء ، أي يخرج الله ؛ وعنه وعن أبي عمرو ، وعن ابن مقسم: بالنون . واللؤلؤ والمرجان نصب في هاتين القراءتين . والظاهر في ) مِنْهُمَا( أن ذلك يخرج من الملح والعذب . وقال بذلك قوم ، حكاه الأخفش . ورد الناس هذا القول ، قالوا: والحس يخالفه ، إذ لا يخرج إلا من الملح ، وعابوا قول الشاعر: فجاء بها ما شئت من لطيمة
على وجهها ماء الفرات يموج
وقال الجمهور: إنما يخرج من الأجاج في المواضع التي تقع فيها الأنهار والمياه العذبة ، فناسب إسناد ذلك إليهما ، وهذا مشهور عند الغواصين . وقال ابن عباس وعكرمة: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر ، لأن الصدف وغيرها تفتح أفواهها للمطر ، فلذلك قال )مِنْهُمَا ). وقال أبو عبيدة: إنما يخرج من الملح ، لكنه قال ) مِنْهُمَا ( تجوزًا . وقال الرماني: العذب فيها كاللقاح للملح ، فهو كما يقال ؛ الولد يخرج من الذكر والأنثى . وقال ابن عطية ، وتبع الزجاج من حيث هما نوع واحد ، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما ، وإن كانت تختص عند التفصيل المبالغ بأحدهما ، كما قال: ) سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ( ، وإنما هو في إحداهن ، وهي الدنيا إلى الأرض . وقال الزمخشري نحوًا من قول ابن عطية ، قال: فإن قلت: لم قال ) مِنْهُمَا ( ، وإنما يخرجان من الملح قلت: لما التقيا وصارا كالشيء الواحد ، جاز أن يقال: يخرجان منهما ، كما يقال: يخرجان من البحر ، ولا يخرجان من جميع البحر ، ولكن من بعضه . وتقول: خرجت من البلد ، وإنما خرجت من محلة من محالة ، بل من دار واحدة من دوره . وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب . انتهى . وقال أبو علي الفارسي: هذا من باب حذف المضاف ، والتقدير: يخرج من أحدهما ، كقوله تعالى: ) عَلَى رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (: أي من إحدى القريتين . وقيل: هما بحران ، يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر المرجان . وقال أبو عبد الله الرازي: كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس ، ومن أعلم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب ، وهب أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح . ولكن لم قلتم إن الصدف لا يخرج بأمر الله من الماء العذب إلى الماء الملح وكيف يمكن الجزم به والأمور الأرضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد ، فكيف لا يخفى أمر ما في قعر البحر عليهم ؟ واللؤلؤ ، قال ابن عباس والضحاك وقتادة: كبار الجوهر ؛ والمرجان صغاره . وعن ابن عباس أيضًا ، وعلي ومرة الهمداني عكس هذا . وقال أبو عبد الله وأبو مالك: المرجان: الحجر الأحمر . وقال الزجاج: حجر شديد البياض . وحكي القاضي أبو يعلى أنه ضرب من اللؤلؤ ، كالقضبان ، والمرجان: اسم أعجميّ معرب . قال ابن دريد: لم أسمع فيه نقل متصرف ، وقال الأعشى: من كل مرجانة في البحر أحرزها
تيارها ووقاها طينها الصدف