"صفحة رقم 180"
قلت: لما جعله مشتريًا لهو الحديث بالقرآن قال: يشتري بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة بها ، حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق ، ونحوه قوله تعالى: ) فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ( ، أي وما كانوا مهتدين للتجارة وبصراء بها . انتهى . و ) سَبِيلِ اللَّهِ (: الإسلام أو القرآن ، قولان . قال ابن عطية: والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو الحديث مضافًا إلى الكفر ، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ) لِيُضِلَّ ( إلى آخره . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص: ) وَيَتَّخِذَهَا ( ، بالنصب عطفًا على ) لِيُضِلَّ ( ، تشريكًا في الصلة ؛ وباقي السبعة: بالرفع ، عطفًا على ) يَشْتَرِى ( ، تشريكًا في الصلة . والظاهر عود ضمير ) وَيَتَّخِذَهَا ( على السبيل ، كقوله: ) وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ). قيل: ويحتمل أن يعود على ) الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ). وقال تعالى: ) وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ). قيل: ويحتمل أن يعود على الأحاديث ، لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث . وقال صاحب التحرير: ويظهر لي أنه أراد بلهو الحديث: ما كانوا يظهرونه من الأحاديث في تقوية دينهم ، والأمر بالدوام عليه ، وتفسير صفة الرسول ، وأن التوراة تدل على أنه من ولد إسحاق ، يقصدون صد أتباعهم عن الإيمان ، وأطلق اسم الشراء لكونهم يأخذون على ذلك الرشا والجعائل من ملوكهم ، ويؤيده ) لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ (: أي دينه . انتهى ، وفيه بعض حذف وتلخيص .
( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ(: بدأ أولًا بالحمل على اللفظ ، فأفرد في قوله: ) مَن يَشْتَرِى ( ، ( وليضل ( ، ( عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا( ، ثم جمع على الضمير في قوله: ) أُوْلئِكَ لَهُمْ ( ، ثم حمل على اللفظ فأفرد في قوله: ) وَإِذَا تُتْلَى ( إلى آخره . ومن في: ) مَن يَشْتَرِى ( موصولة ، ونظيره في من الشرطية قوله: ) وَمَن يُؤْمِن مِنْ بِاللَّهِ ( ، فما بعده أفرد ثم قال: ) خَالِدِينَ ( ، فجمع ثم قال: ) قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ( ، فأفرد ، ولا نعلم جاء في القرآن ما حمل على اللفظ ، ثم على المعنى ، ثم على اللفظ ، غير هاتين الآيتين . والنحويون يذكرون ) وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ( الآية فقط ، ثم على المعنى ، ثم على اللفظ ، ويستدلون بها على أن هذا الحكم جار في من الموصولة ونظيرها مما لم يثن ولم يجمع من الموصولات . وتضمنت هذه الآية ذم المشتري من وجوه التولية عن الحكمة ، ثم الاستكبار ، ثم عدم الالتفات إلى سماعها ، كأنه غافل عنها ، ثم الإيغال في الإعراض بكون أذنيه كأن فيهما صممًا يصده عن السماع . و ) كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا (: حال من الضمير في ) مُسْتَكْبِرًا ( ، أي مشبهًا حال من لم يسمعها ، لكونه لا يجعل لها بالًا ولا يلتفت إليها ؛ وكأن هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن واجب الحذف . و ) كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا(: حال من لم يسمعها . وقال الزمخشري: ويجوز أن يكونا استئنافين . انتهى ، يعني الجملتين التشبيهيتين .
ولما ذكر ما وعد به الكفار من العذاب الأليم ، ذكر ما وعد به المؤمنين . وقرأ زيد بن علي: خالدون ، بالواو ؛ والجمهور: بالياء . وانتصب )وَعَدَ اللَّهُ ( على أنه مصدر مؤكد لنفسه ، و ) حَقًّا ( على المصدر المؤكد لغيره ، لأن قوله: ) لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ( ، والعامل فيها متغاير ، فوعد الله منصوب ، أي يوعد الله وعده ، وحقًا منصوب بأحق ذلك حقًا . ) خُلِقَ السَّمَاوَاتِ ( إلى ) فَأَنبَتْنَا فِيهَا ( ، تقدم الكلام على ذلك . ومعنى ) كَرِيمٌ (: مدحته بكرم جوهره ونفاسته وحسن منظره ، وما تقضي له النفوس بأنه أفضل من غيره حتى استحق الكرم ، فيخص لفظ الأزواج ما كان نفيسًا مستحسنًا من جهة ، أو مدحته بإتقان صفته وظهور حسن الرتبة والتحكم للصنع فيه ، فيعم جميع الأزواج ، وهو الأنواع . ) هَاذَا خَلْقُ اللَّهِ (: إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته ، وبخ بذلك الكفار وأظهر حجته . والخلق بمعنى المخلوق ، كقولهم: درهم ضرب الأمير ، أي مضروبه . ثم سألهم على جهة التهكم بهم أن يورده . وأما خلقته آلتهم لما ذكر مخلوقاته ، فكيف عبدوها من دونه ؟ ويجوز في ماذا أن تكون كلها موصولة بمعنى الذي ، وتكون مفعولًا ثانيًا لأروني . واستعمال ماذا كلها موصولًا قليل ، وقد ذكره سيبويه . ويجوز أن تكون ما استفهامية في موضع رفع على الابتداء ، وذا موصولة بمعنى الذي ، وهو خبر عن ما ، والجملة في موضع نصب بأروني ، وأروني معلقة عن العمل لفظًا لأجل الاستفام . ثم أضرب عن توبيخهم وتبكيتهم إلى التسجيل عليهم بأنهم في حيرة واضحة لمن يتدبر ، لأن من عبد صنمًا وترك خالقه جدير بأن يكون في حية وتيه لا يقلع عنه .