"صفحة رقم 169"
إنابة وخضوع ، وإذا خلصهم من ذلك الضر ، أشرك فريق ممن اخلص ، وهذا الفريق هم عبدة الأصنام . قال ابن عطية: ويلحق من هذه الألفاظ شيء للمؤمنين ، إذ جاءهم فرج بعد شدة ، علقوا ذلك بمخلوقين ، أو بحذق آرائهم ، أو بغير ذلك ، ففيه قلة شكر الله ، ويسمى مجازًا . وقال أبو عبد الله الرازي: يقول: تخلصت بسبب اتصال الكوكب الفلاني وسبب الصنم الفلاني ، بل ينبغي أن لا يعتقد أنه يخلص بسبب فلان إذا كان ظاهرًا ، فإنه شرك خفي . انتهى . و ) إِذَا فَرِيقٌ (: جواب ) إِذَا أَذَاقَهُمْ ( ، الأولى شرطية ، والثانية للمفاجأة ، وتقدم نظيره ، وجاء هنا فريق ، لأن قوله: ) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ( عام للمؤمن والكافر ، فلا يشرك إلا الكافر . وضر هنا مطلق ، وفي آخر العنكبوت ) إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ( لأنه في مخصوصين من المشركين عباد الأصنام ، والضر هناك معين ، وهو ما يتخوف من ركوب البحر . ) إِذَا هُمْ (: أي ركاب البحر عبدة الأصنام ، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده . واللام في ) لِيَكْفُرُواْ( لام كي ، أو لام الأمر للتهديد ، وتقدم نظيره في آخر العنكبوت .
وقرأ الجمهور: )فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( ، بالتاء فيهما . وقرأ أبو العالية: فيتمتعوا ، بياء قبل التاء ، عطف أيضًا على ) لِيَكْفُرُواْ ( ، أي لتطول أعمارهم على الكفر ؛ وعنه وعن عبد الله: فليتمتعوا . وقال هارون في مصحف عبد الله: يمتعوا . ) أَمْ أَنزَلْنَا ( ، أم: بمعنى بل ، والهمزة للإضراب عن الكلام السابق ، والهمزة للاستفهام عن الحجة استفهام إنكار وتوبيخ . والسلطان: البرهان ، من كتاب أو نحوه . ) فَهُوَ يَتَكَلَّمُ (: أي يظهر مذهبهم وينطق بشركهم ، والتكلم مجاز لقوله: ) هَاذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ ). وهو يتكلم: جواب للاستفهام الذي تضمنه أم ، كأنه قال: بل أنزلنا عليهم سلطانًا ، أي برهانًا شاهدًا لكم بالشرك ، فهو يشهد بصحة ذلك ، وإن قدر ذا سلطان ، أي ملكًا ذا برهان ، كان التكلم حقيقة .
( وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً(: أي نعمة ، من مطر ، أو سعة ، أو صحة . ) وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ (: أي بلاء ، من حدث ، أو ضيق ، أو مرض . ) بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ مِنْ ( المعاصي . ) إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ( ، ففي إصابة الرحمة فرحوا وذهلوا عن شكر من أسداها إليهم ، وفي إصابة البلاء قنطوا ويئسوا وذهلوا عن الصبر ، ونسوا ما أنعم به عليهم قبل إصابة البلاء . و ) إِذَا هُمْ ( جواب: ) وَإِن تُصِبْهُمْ( ، يقوم مقام الفاء في الجملة الاسمية الواقعة جوابًا للشرط . وحين ذكر إذاقة الرحمة ، لم يذكر سببها ، وهو زيادة الإحسان والتفضل . وحين ذكر إصابة السيئة ، ذكر سببها ، وهو العصيان ، ليتحقق بدله . ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم ييأس من روح الله ، وهو أنه تعالى هو الباسط القابض ، فينبغي أن لا يقنط ، وأن يتلقى ما يرد من قبل الله بالصبر في البلاء ، والشكر في النعماء ، وأن يقلع عن المعصية التي أصابته السيئة بسببها ، حتى تعود إليه رحمة ربه .
ومناسبة )فَئَاتِ ذَا الْقُرْبَى ( لما قبله: أنه لما ذكر أنه تعالى هو الباسط القابض ، وجعل في ذلك آية للمؤمن ، ثم نبه بالإحسان لمن به فاقة واحتياج ، لأن من الإيمان الشفقة على خلق الله ، فخاطب من بسط له الرزق بأداء حق الله من المال ، وصرفه إلى من يقرب منه من حج ، وإلى غيره من مسكين وابن سبيل . وقال الحسن: هذا خطاب لكل سامع بصلة الرحم ،( وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) . وقيل: للرسول ، عليه السلام . وذو القربى: بنو هاشم وبنو المطلب ، يعطون حقوقهم من الغنيمة والفيء . وقال الحسن: حق المسكين وابن السبيل من الصدقة المسماة لهما . واحتج أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب . أثبت تعالى لذي القربى حقًا ، وللمسكين وابن السبيل حقهما .
والسورة مكية ، فالظاهر أن الحق ليس الزكاة ، وإنما يصير حقًا بجهة الإحسان والمواساة . وللاهتمام بذي القربى ، قدم على المسكين وابن السبيل ، لأن بره صدقة وصلة . ) ذالِكَ (: أي الإيتاء ، ( خَيْرٌ(: أي يضاعف لهم الأجر في الآخرة ، وينمو ما لهم في الدنيا لوجه الله ، أي التقرب إلى رضا الله لا يضره . ثم ذكر تعالى من يتصرف في ماله غلى غير الجهة المرضية فقال ؛ ) وَمَا ءاتَيْتُمْ ( أكلة اليربو ، ليزيد ويزكو في المال ، فلا يزكو عند الله ، ولا يبارك فيه لقوله: ) يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوااْ وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ ). قال السدّي: نزلت في ربا ثقيف ، كانوا يعملون بالربا ، ويعمله فيهم قريش . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وطاوس: هذه الآية نزلت