"صفحة رقم 91"
والظاهر عموم المؤمنين . وقيل لمن آمن من بني إسرائيل والقضاء والحكم ، وإن ظهر أنهما مترادفان ، فقيل: المراد به هنا العدل ، أي بعدله ، لأنه لا يقضي إلا بالعدل ، وقيل: المراد بحكمته والحكم . قيل: ويدل عليه قراءة من قرأ بحكمه ، بكسر الحاء وفتح الكاف ، جمع حكمة ، وهو جناح بن جيش . ولما كان القضاء يقتضي تنفيذ ما يقضي به ، والعلم بما يحكم به ، جاءت هاتان الصفتان عقبه ، وهو العزة: أي الغلبة والقدرة والعلم ، ثم أمره تعالى بالتوكل عليه ، وأخبره أنه على الحق الواضح الذي لا شك فيه ، وهو كالتعليل للتوكل ، وفيه دليل على أن من كان على الحق يحق له أن يثق بالله ، فإنه ينصره ولا يخذله .
ولما كان القرآن وما قص الله فيه لا يكاد يجدي عندهم ، أخبر تعالى عنهم أنهم موتى القلوب ، أو شبهوا بالموتى ، وإن كانوا أحياء صحاح الأبصار ، لأنهم إذا تلي عليهم لا تعيه آذانهم ، فكانت حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى . وقرأ الجمهور: ) وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ( هنا ، وفي الروم بضم التاء وكسر الميم ، الصم بالرفع ، ولما كان الميت لا يمكن أن يسمع ، لم يذكر له متعلق ، بل نفي الإسماع ، أي لا يقع منك إسماع لهم ألبتة لعدم القابلية . وأما الأصم فقد يكون في وقت يمكن إسماعه وسماعه ، فأتى بمتعلق الفعل وهو الدعاء . وإذا معمولة لتسمع ، وقيد نفي الإسماع أو السماع بهذا الطرف وما بعده على سبيل التأكيد لحال الأصم ، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولي مدبرًا ، كان أبعد عن إدراك صوته .
شبههم أولًا بالموتى ، ثم بالصم في حالة ، ثم بالعمي ، فقال: )وَمَا أَنتَ بِهَادِى الْعُمْىِ ( حيث يضلون الطريق ، فلا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم ويحولهم هداة بصراء إلا الله تعالى . وقرأ الجمهور: بهادي العمى ، اسم فاعل مضاف ؛ ويحيى بن الحارث ، وأبو حيوة: بهادٍ ، منونًا العمي ؛ والأعمش ، وطلحة ، وابن وثاب ، وابن يعمر ، وحمزة: تهدي ، مضارع هدي ، العمي بالنصب ؛ وابن مسعود: وما أنت تهتدي ، بزيادة أن بعد ما ، ويهتدي مضارع اهتدى ، والعمي بالرفع ، والمعنى: ليس في وسعك إدخال الهدى في قلب من عمي عن الحق ولم ينظر إليه بعين قلبه . ) وَمَا أَنتَ بِهَادِى الْعُمْىِ عَن ضَلَالَتِهِمْ ( ، وهم الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته . ) فَهُم مُّسْلِمُونَ (: منقادون للحق . وقال الزمخشري: مسلمون مخلصون ، من قوله: ) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ( ، بمعنى جعله سالمًا لله خالصًا . انتهى .
( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم(: أي إذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله ، كقوله: ) حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ( ، فالمعنى: إذا أراد الله أن ينفذ في الكافرين سابق علمه فيهم من العذاب ، أخرج لهم دابة تنفذ من الأرض . ووقع: عبارة عن الثبوت واللزوم والقول ، إما على حذف مضاف ، أي مضمون القول ، وإما أنه أطلق القول على المقول ، لما كان المقول مؤدي بالقول ، وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب . وقال ابن مسعود: ) وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم ( يكون بموت العلماء ، وذهاب العلم ، ورفع القرآن . انتهى . وروي أن خروجها حين ينقطع الخبر ، ولا يؤمر بمعروف ، ولا ينهى عن منكر ، ولا يبقى منيب ولا نائب . وفي الحديث:( أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط ) ، ولم يعين الأول ، وكذلك الدجال ؛ وظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها ، والظاهر أن الدابة التي تخرج هي واحدة . وروي أنه يخرج في كل بلد دابة مما هو مثبوت نوعها في الأرض ، وليست واحدة ، فيكون قوله: ) دَابَّةٍ( اسم جنس . واختلفوا في ماهيتها ، وشكلها ، ومحل خروجها ، وعدد خروجها ، ومقدار ما تخرج منها ، وما تفعل بالناس ، وما الذي تخرج به ، اختلافًا مضطربًا معارضًا بعضه بعضًا ، ويكذب بعضه بعضًا ؛ فاطرحنا ذكره ، لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح ، وتضييع لزمان نقله .
والظاهر أن قوله: )تُكَلّمُهُمْ ( ، بالتشديد ، وهي قراءة الجمهور ، من الكلام ؛ ويؤيده قراءة أبيّ: تنبئهم ، وفي بعض القراءات: تحدثهم ، وهي قراءة يحيى بن سلام ؛ وقراءة عبد الله: بأن الناس . قال السدي: تكلمهم ببطلان سائر الأديان سوى الإسلام . وقيل: نخاطبهم ، فتقول للمؤمن: هذا مؤمن ، وللكافر: هذا كافر . وقيل معنى تكلمهم: تجرحهم من الكلم ، والتشديد للتكثير ؛ ويؤيده قراءة ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وأبي زرعة ،