"صفحة رقم 88"
بهمزة داخلة على ادارك ، فيسقط همزة الوصل المجتلبة ، لأجل الإدغام والنطق بالساكن . وقرأ ابن مسعود أيضًا: بل أأدرك ، بهمزتين ، همزة الاستفهام وهمزة أفعل . وقرأ الحسن أيضًا ، والأعرج: بل ادرج ، بهمزة وإدغام فاء الكلمة ، وهي الدال في تاء افتعل ، بعد صيرورة التاء دالًا . وقرأ ورش في رواية: بل ادّرك ، بحذف همزة ادرك ونقل حركتها إلى اللام . وقرأ ابن عباس أيضًا: بلى ادرك ، بحرف الإيجاب الذي يوجب به المستفهم المنفي . وقرىء: بل آأدرك ، بألف بين الهمزتين . فأما قراءة من قرأ بالاستفهام ، فقال ابن عباس: هو للتقريع بمعنى لم يدرك علمهم على الإنكار عليهم . وقال الزمخشري: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم ، وكذلك قراءة من قرأ: أم ادّرك ، وأم تدارك ، لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة . انتهى . وقال ابن عطية: هو على معنى الهزء بالكفرة والتقرير لهم على ما هو في غاية البعد عنهم ، أي اعلموا أمر الآخرة وادّركها علمهم . وأما قراءة من قرأ على الخبر ، فقال ابن عباس: المعنى: بل تدارك علمهم ما جهلوه في الدنيا ، أي علموه في الآخرة ، بمعنى: تكامل علمهم في الآخرة بأن كل ما وعدوا به حق ، وهذا حقيقة إثبات العلم لهم ، لمشاهدتهم عيانًا في الآخرة ما وعدوا به غيبًا في الدنيا ، وكونه بمعنى المضي ، ومعناه الاستقبال ، لأن الإخبار به صدق ، فكأنه قد وقع . وقال ابن عطية: يحتمل معنيين: أحدهما: أنه تناهي علمهم ، كما تقول: أدرك النبات وغيره ، أي تناهى وتتابع علمهم بالآخرة إلى أن يعرفوا لها مقدارًا فيؤمنوا ، وإنما لهم ظنون كاذبة ؛ أو إلى أن لا يعرفوا لها وقتًا ، وتكون في بمعنى الباء متعلقة بعلمهم ، وقد تعدّى العلم بالباء ، كما تقول: علمي بزيد كذا ، ويسوغ حمل هذه القراءة على معنى التوقيف الاستفهام ، وجاء إنكارًا لأنهم لم يدركوا شيئًا نافعًا . والثاني: أن أدرك: بمعنى يدرك ، أي علمهم في الآخرة يدرك وقت القيامة ، ويرون العذاب والحقائق التي كذبوا بها ، وأما في الدنيا فلا . وهذا تأويل ابن عباس ، ونحا إليه الزجاج ، وفي على بابها من الظرفية متعلقة بتدارك . انتهى ، وفيه بعض تلخيص وزيادة . وقال الزمخشري: هو على وجهين: أحدهما: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته وهم شاكون جاهلون ، وذلك قوله: ) بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ( ، يريد المشركين ممن في السموات والأرض ، لأنهم لما كانوا في جملتهم نسل فعلهم إلى الجميع ، كما يقال: بنو فلان فعلوا كذا ، وإنما فعله ناس منهم . والوجه الثاني: أن وصفهم باستحكامه وتكامله تهكم بهم ، كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك ، على سبيل الهزء به ، وذلك حيث شكوا وعموا عن إتيانه الذي هو طريق إلى علم مشكوك ، فضلًا عن أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته . وفي ادرك علمهم وادارك وجه آخر ، وهو أن يكون ادرك بمعنى انتهى وفني ، من قولهم: أدركت الثمرة ، لأن تلك غايتها التي عندها تعدم . وقد فسر الحسن باضمحل علمهم وتدارك ، من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك . انتهى .
وقال الكرماني: العلم هنا بمعنى الحكم والقول ، أي تتابع منهم القول والحكم في الآخرة ، وكثرة منهم الخوض فيها ، فنفاها بعضهم ، وشك فيها بعضهم ، واستبعدها بعضهم . وقال الفراء: بل ادرك ، فيصير بمعنى الجحد ، ولذلك نظائر ؛ أي لم يعلموا حدوثها وكونها ، ودل على ذلك )بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا ( ، فصارت في في الكلام بمعنى الباء ، أي لم يدرك علمهم بالآخرة . قال الفراء: ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ: أدرك ، بالاستفهام . انتهى . وأما قراءة من قرأ بلى بحرف الجواب بدل بل ، فقال أبو حاتم: إن كان بلى جوابًا لكلام تقدم ، جاز أن يستفهم به ، كأن قومًا أنكروا ما تقدم من القدرة ، فقيل لهم: بلى إيجابًا لما نفوا ، د ثم استؤنف بعده الاستفهام وعودل بقوله تعالى: ) بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا ( ، بمعنى: أم هم في شك منها ، لأن حروف العطف قد تتناوب ، وكف عن الجملتين بقوله تعالى: ) بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ ). انتهى . يعني أن المعنى: ادّرك علمهم بالآخرة أم شكو ؟ ف ( بل ) بمعنى أم ، عودل بها الهمزة ، وهذا ضعيف جدًا ، وهو أن تكون بل بمعنى أم وتعادل همزة الاستفهام .
قال الزمخشري: فإن قلت: فمن قرأ بلى ادرك ؟ قلت: لما جاء ببلى بعد قوله: ) وَمَا