فهرس الكتاب

الصفحة 3271 من 4224

"صفحة رقم 85"

السبب نسبة فعل المسبب إليه ، بين تعالى اختصاصه بذلك بطريق الالتفات وتأكيد ذلك بقوله: ) مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ). ألا ترى أن المتسبب لذلك قد لا يأتي على وفق مراده ؟ ولو أتى فهو جاهل بطبعه ومقداره وكيفيته ، فكيف يكون فاعلًا لها ؟ والبهجة: الجمال والنضرة والحسن ، لأن الناظر فيها يبتهج ، أي يسر ويفرح . وقرأ الجمهور: ) ذَاتُ ( ، بالإفراد ، ( بَهْجَةٍ( ، بسكون الهاء ، وجمع التكسير يجري في الوصف مجرى الواحدة ، كقوله: ) أَزْواجٌ مُّطَهَّرَةٌ ( ، وهو على معنى جماعة . وقرأ ابن أبي عبلة ، ذوات ، بالجمع ، بهجة بتحريك الهاء بالفتح .

( مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا(: قد تقدم أن نفي مثل هذه الكينونة قد يكون ذلك لاستحالة وقوعه كهذا ، أو لامتناع وقوعه شرعًا ، أو لنفي الأولوية . والمعنى هنا: أن إنبات منكم محال ، لأنه إبراز شيء من العدم إلى الوجود ، وهذا ليس بمقدور إلا لله تعالى . ولما ذكر منته عليهم ، خاطبهم بذلك ؛ ثم لما ذكر ذمّهم ، عدل من الخطاب إلى الغيبة فقال: ) بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( ، إما التفاتًا ، وإما إخبارًا للرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) بحالهم ، أي يعدلون عن الحق ، أو يعدلون به غيره ، أي يجعلون له عديلًا ومثيلًا . وقرىء: إلهًا ، بالنصب ، بمعنى: أتدعون أو أتشركون ؟ وقرىء: أإله ، بتخفيف الهمزتين وتليين الثانية ، والفصل بينهما بألف . ولما ذكر تعالى أنه منشىء السموات والأرض ، ذكر شيئًا مشتركًا بين السماء والأرض ، وهو إنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق بالأرض ، ذكر شيئًا مختصًا بالأرض ، وهو جعلها قرارًا ، أي مستقرًا لكم ، بحيث يمكنكم الإقامة بها والاستقرار عليها ، ولا يديرها الفلك ، قيل: لأنها مضمحلة في جنب الفلك ، كالنقطة في الرحى .

( وَجَعَلَ خِلاَلَهَا (: أي بين أماكنها ، في شعابها وأوديتها ، ( أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ(: أي جبالا ثوابت حتى لا تتكفأ بكم وتميد . والبحران: العذب والملح ، والحاجز: الفاصل ، من قدرته تعالى ، قاله الضحاك . وقال مجاهد: بحر السماء والأرض ، والحاجز من الهواء . وقال الحسن: بحر فارس والروم ، وقال السدّي: بحر العراق والشام ، والحاجز من الأرض . قال ابن عطية: مختارًا لهذا القول في الحاجز: هو ما جعل الله بينهما من حواجز الأرض وموانعها ، على رقتها في بعض المواضع ، ولطافتها التي لولا قدرته لبلع الملح العذب . وكان ابن عطية قد قدم أن البحرين: العذب بجملته ، والماء الأجاج بجملته ؛ ولما كانت كل واحدة منه عظيمة مستقلة ، تكرر فيها العامل في قوله: ) وَجَعَلَ ( ، فكانت من عطف الجمل المستقل كل واحدة منها بالامتنان ، ولم يشرك في عامل واحد فيكون من عطف المفردات . ولأبي عبد الله الرازي في ذكر هذه الامتنانات الأربع كلام من علم الطبيعة ، والحكماء على زعمه ، خارج عن مذاهب العرب ، يوقف عليه في كتابه . والمضطر: اسم مفعول ، وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو حادث من حوادث الدهر إلى الالتجاء إلى الله والتضرع إليه ، فيدعوه لكشف ما اعتراه من ذلك وإزالته عنه . وقال ابن عباس: هو المجهود . وقال السدّي: هو الذي لا حول ولا قوة له . وقيل: هو المذنب إذا استغفر ، وإجابته إياه مقرونة بمشيئته تعالى ، فليس كل مضطر دعا يجيبه الله في كشف ما به . وقال الزمخشري: الإجابة موقوفة على أن يكون المدعو به مصلحة ، ولهذا لا يحسن الدعاء إلا شارطًا فيه المصلحة . انتهى ، وهو على طريق الاعتزال في مراعاة المصلحة من الله تعالى .

( وَيَكْشِفُ السُّوء (: هو كل ما يسوء ، وهو عام في كل ضر انتقل من حالة المضطر ، وهو خاص إليّ أعم ، وهو ما يسوء ، سواء كان المكشوف عنه في حالة الاضطرار أو فيما دونها . وخلفاء: أي الأمم السالفة ، أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو خلفاء النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) من بعده ، أو خلفاء الكفار في أرضهم ، أو الملك والتسلط ، أقوال . وقرأ الحسن في رواية: ونجعلكم بنون المتكلم ، كأنه استئناف إخبار ووعد ، كما قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت