تستغرب لما تجد الجهل وتجد البدعة، وتجد التنافس وتجد الهوى، وإعجاب كل امرئ برأيه، ودنيا مؤثرة، لا تستغرب. يعني في أربعمائة سنة كانت البدع كلها قد استقرَّت، فأنت زِدْ وراءها ألفًا! فهذه حقيقة تصدِم المرء، يعني المرء يُصدم أمام هذا الواقع الذي يعيشه في هذا الزمان.
وهذه المناظرة جميلة جدًا ذكرها الإمام الطبري في (تاريخه) ونقلها ابن كثير في (البداية والنهاية) لكن مأخوذة كلها من الطبري بتفصيل، عبد الملك بن مروان قال لميمون بن مِهران:"ناظره، قال: نعم، وإن من تمام العدل أن تسأل والقوة لك أن تسأل"، يعني لو أن اثنين تناظرا فإن أردت أن تُنصف خصمك فاجعله هو الذي يسألك، إذا أردت، وإلا فأنت تسأل وهو يسأل، هذا هو تمام المناظرة.
قال معبد:"أيُحب ربنا أن يُعصى؟"، فأنتم تقولون أنه لا يُعصى إلا بإذنه، وأن المعصية تقع بالقضاء والقدر، وأن الله -عزَّ وجلَّ- هو الذي خلق المعصية وهو الذي شاءها ولو لم يشأها أ-ي لم يُردها (الإرادة القدريَّة الكونيَّة) - لم تقع، فهم جاؤوا إلى جهة المحبة. فقال له ميمون:"أيحدُث في ملكه ما لا يرضى؟"، فسكت معبد، فغضب عبد الملك بن مروان قال:"قتلني الله إن لم أقتلك، ثم أخذه وقيَّده وذبحه".
غيلان الدمشقي الإمام عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه وأرضاه- سمع أنه يقول بالقول فأخذه ونصحه فأظهر التوبة أمام الصِّديق الثاني عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- فتركه، ثم بعد أن ذهب بدأ يرجع إلى اعتقاده.
فهذا هو الأمر الأول في قضية القضاء والقدر.
ما هو العدل عند المعتزلة؟
هم لم يتصوَّروا أن الله -عزَّ وجلَّ- يمكن أن يشاء وأن يرضى أن يُعصى في الأرض، وهذا من باب تنزيه الله -عزَّ وجلَّ-، أرادوا تنزيهه ولكنهم نزَّهوه من باب وأخطؤوا الطريقة والتنزيل.
قالوا: كيف أنتم تزعمون أن الله -عزَّ وجلَّ- يُعصى بإرادته؟! إنما يُعصى ولا يريد ذلك. طيب أنتم أخرجتموه من الرضا إلى الضعف والعجز. فالعدل عندهم أن الله -عزَّ وجلَّ- لم يخلق المعصية، وإنما المعصية بما يقترف الإنسان.
الحقيقة أن المعتزلة في باب القضاء والقدر أسلم بكثير من الجبرية، وإن كانوا قدرية وعلى شر وسوء، وفيهم إساءة للرب -عزَّ وجلَّ-، إساءة الأدب وعدم التقديس والتسبيح لله -عزَّ وجلَّ-، إلا أنهم من جهة الواقع أقرب ممن قال بالجبرية وإن كان الجبرية أقرب إلى التقديس منهم.