ومن المعاصرين سيد قطب الذي كان يمضي شهورًا لأجل معرفة وجه الاتصال بين الآية وسابقتها، كما حصل معه عندما استوقفه سر الانتقال المفاجئ من الحديث عن أحكام الطلاق إلى الأمر بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى ثم العودة مرة أخرى إلى موضوع الطلاق (1) ، وينقل الدكتور صلاح الخالدي عن الطبعة الأولى من الظلال قول سيد رحمه الله:"أشهد أنني وقفت أمام هذه النقلة طويلًا، لا يُفتح عليّ في سرها، ولا أريد أن أتمحل لها، ولا أقنع كل القناعة بما جاء في بعض التفاسير عنها... ولقد بقيت ستة أشهر أو تزيد لا أتجاوز هذه النقلة، ولا أمضي وراءها لأن سرها لم يُكشف لي كشفًا يستريح ضميري إليه... وأشهد أنه لم يسترح بعد لما اهتديت - حتى اللحظة إليه... فإذا هُديت إلى شيء فسأبينه في الطبعة التالية، وإذا هدى الله أحدًا من القراء، فليتفضل فليبلغني - مشكورًا - بما هداه الله" (2) .
وقد أكد صاحب (البرهان في نظام القرآن) أنه"إذا عجزنا عن اكتشاف النظام في آية أو سورة أو مجموعة من الآيات، أو مجموعة من السور فلن يكون ذلك دليلًا على انتفائه أو عدم وجوده، وإنما يكون دليلًا على عجزنا وقلة علمنا وقصور فهمنا فقط، فإن العجز عن إدراك حقيقة لا يكون دليلًا على انتفائها، وإنما يكون دليلًا على العجز عن إدراكها فقط" (3) .
إن دقة هذا العلم تحول دون اشتغال الأكثرين به، بل ربما انصرف كثيرون عن الاطلاع عليه لهذا السبب، والمشتغلون به ليسوا جميعًا على نفس الدرجة من علو الكعب فيه، ولا يتأتى للعالم دائمًا القول الفصل، وربما كان كثير مما يقال عنه تكلف ليس كذلك في الواقع.
القول بأن المسلمين غير مطالبين شرعًا ببيان المناسبات.
(1) انظر: [ البقرة:238] ، والآيات السابقة واللاحقة.…
(2) الخالدي، صلاح ، مدخل إلى ظلال القرآن، (ص: 195) ، دار المنارة، جدة، ط1، 1406هـ - 1986م.…
(3) سبحاني، البرهان في نظام القرآن ، (ص60-61) . …