الصفحة 152 من 292

وقد علق البقاعي عند هذه القصص الثلاث في الآيات الثلاث قائلًا:"ولما كان الإيمان بالبعث، بل الإيقان، من المقاصد العظمى في هذه السورة، وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين المناهج واختلاف الطرق؛ فبين أولًا بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان، وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان، علا عن ذلك البيان في قصة الخليل صلوات الله وسلامه عليه إلى ما يثبت الطمأنينة....فكان كأنه قيل: يا منكري البعث ومظهري العجب منه ومقلدي الآباء بالأخبار التي أكثرها كاذب! اسمعوا قصة أبيكم إبراهيم التي لقاكم بها الاستدلال على البعث، وجمع المتفرق، وإعادة الروح بإخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيء منه، فشهادته شهادة الله لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين" (1) .

مما سبق يتضح أن محور الإحياء بعد الإماتة الذي يتكرر في سورة البقرة، يأتي ليعزز من قضيتين في غاية الأهمية:

أولاهما: الوصول بالمؤمنين إلى مرحلة اليقين بالآخرة والتي يمثل البعث فيها نقطة ارتكاز أساسية؛ سيما وأن أغلب المنكرين ينصب إنكارهم على البعث بعد الموت.

والثانية: الإحياء الحضاري للأمم والمجتمعات، كما يبرز في قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ثم إحياء الله تعالى لهم، ثم في قصة طالوت وجالوت والتي تأتي مثالًا على سابقتها، ولا ننسى أن إماتة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها ثم بعثه، قد جاءت تأكيدًا لقدرة الله تعالى على إحياء القرية الميتة.

وظاهر أن قضية الإحياء الحضاري تتعلق بالعرب خصوصًا، إذ اختيروا لحمل الرسالة، وكأن السورة تقول لهم، كما تقول لبني إسرائيل: إن الله تعالى لا يعجزه أن ينقل العرب الممزقين الذين ليس لهم وزن حضاري إلى صدارة البشرية.

المطلب الثاني: التناسب بين القصة الأولى والقصة الأخيرة في السورة

(1) …البقاعي، نظم الدرر، (1/508) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت