الصفحة 2 من 40

عمل المضارب

تشير تعاريف عامة الفقهاء ودراساتهم إلى أن عمل المضارب يكون في التجارة, فالمالكية عرفوا المضاربة بأنها"توكيل على تَجْرٍ في نقد مضروب مسلم بجزء من ربحه" (1) ، وحين عدد النووي أركان المضاربة قال:"الركن الثاني: العمل وله شروط, الأول أن يكون تجارة" (2) ، ويقول السرخسي:"إذا دفع إلى رجل مالًا مضاربة, ولم يقل, اعمل فيه برأيك، فله أن يشتري به ما بدا له من أصناف التجارة, ويبيع" (3) ، وقال ابن قدامة:"المضاربة أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر فيه, على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشرطانه" (4) ·

ولكن هل هذه النصوص للبيان فحسب, أم للحصر والقصر, بحيث لا تصح المضاربة في غير التجارة, كالصناعة والزراعة وغيرهما؟ ذهب الحنفية والشافعية والمالكية إلى قصر المضاربة على التجارة, فلا تصح في غيرها كالصناعة مثلًا, وحجتهم ما كانت عليه المضاربة في الجاهلية، وأقرها الإسلام وتعامل بها المسلمون في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وفي قرن الصحابة فقد كانت في التجارة دون غيرها ·

قال الكاساني:"لو قال خُذ هذا المال مضاربة على كذا فله أن يشتري به ويبيع, لأنه أمره بعمل هو سبب حصول الربح, وهو الشراء والبيع، وكذا المقصود من عقد المضاربة هو الربح, والربح لا يحصل إلا بالشراء والبيع" (5) ·

قال الماوردي:"عقد القراض يقتضي تصرف العامل في المال بالبيع والشراء, فإن قارضه بمال على أن يشتري به نخلًا يمسك رقابها, ويطلب ثمارها لم يجز, لأنه قد منع تصرف العامل بالبيع والشراء ولأن القراض مختص بما يكون النماء فيه حادثًا عن البيع والشراء, وهو في النخل حادث من غير البيع والشراء, فبطل أن يكون قراضًا, ولا يكون مساقاة لأنه عاقده على جهالة بها قبل وجود ملكها, وهكذا لو قارضه على شراء دواب أو مواشٍ يحبس رقابها ويطلب نتاجها, لم يجز لما ذكرنا" (1) ·

وفي المدونة قال سحنون: أرأيت إن دفعت إلى رجل مالًا قراضًا على أن يشتري به جلودًا فيعملها بيده خفافًا أو نعالًا أو سُفرًا, ثم يبيعها, فما رزق الله فيها فهو بينهما نصفين؟ قال عبد الرحمن بن القاسم:"لا خير في هذا عند مالك, وكذلك في رجل دفع إلى رجل مالًا, والمدفوع إليه صائغ, على أن يصوغ ويعمل, فما ربح في المال فبينهما, واشترط صياغة يده في المال", قال مالك:"لا خير فيه", قال عبد الرحمن:"فإن عمل رأيته"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت