الأمر الثاني: ما ظهر في هذا الزمان من الفتن العظيمة المتلاطمة؛ والذي تتولى كبره وسائل الإعلام المقروء منها والمسموع، والمشاهد، وذلك مما يثار فيها من الشبهات، والأفكار المنحرفة، أو ما يبث فيها من الشهوات التي تدعو إلى الرذيلة وتقتل العفة والحياء، والأخلاق الكريمة. وقد عمت الفتنة وطمت بعد أن انفتح العالم بعضه على بعض في السنوات الأخيرة عن طريق القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت التي فتن بهاالناس إلا من رحم الله تعالى.وكان من جزاء ذلك أن فشت المنكرات،وظهر كثير من العادات والتصورات، والأنماط السلوكية المخالفة لطريق أهل الاستقامة. وساير الناس بعضهم بعضا في المسارعة إليها. وكانت من الكثرة وسرعة الانتشار أن ضعف أمام ضغوطها كثير من المسلمين؟ فألقوا سلاح المقاومة وحنوا رؤوسهم للعاصفة، وظهرت كثير من التنازلات، وسرت روح الانهزامية والتبعية للغرب الكافر، وتزامن مع هذه الفتن انفتاح الدنيا على أهلها، وظهرت صور من الوسائل المحرمة في كسب المال فمال إليها كثير من الناس بشبهة أو شهوة، ولم يسلم من هذه الفتن كلها إلا من رحمه الله عز وجل؟ فوفقه، وثبته أمام هذه الفتن، ورزقه الصبر والقبض على الدين، فكان من القلة الذين أخبر عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ) ) [1] .
قال صاحب التحفة:"قال القاري: الظاهر أن معنى الحديث كما لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد وتحمل غلبة المشقة كذلك في ذلك الزمان لا يتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلا بصبر عظيم" [2] .
(1) تحفة الا!حوذي (2361) 6/ 539، وقال الترمذي حديث غريب. وقال الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول: له شواهد يرتقي بها 10/ 4.
(2) المصدر نفسه.