سرية وعلنية، رسمية وغير رسمية من أجل القيام بهذه المهمات، والتصدي لهذه المشكلات التي أضاعتها الحكومات ..
ولا يشك منصف أنه كان لهذه الجمعيات والجماعات وما زال فضل عظيم في نشر الإسلام ونهضة المسلمين، والذود عن حياض الدين، ولا شك أن التدين الصحيح الذي نراه اليوم هنا وهناك ما هو إلا ثمرة لجهاد هذه الجماعات والجمعيات، وأثر من آثار هذا الجهد المنظم الذي لولاه .. لكانت حالنا اليوم غير ما نحن فيه من بعض حياة، وبقية حشاشة.
ولا يشك منصف كذلك أنه كان لهذه الجماعات والجمعيات بعض الآثار السلبية ويهمنا من هذه الآثار في هذا الصدد: إيجاد نوع من الفرقة والخصام. والتنافس المذموم والتعصب للجماعة الذي أسهم إسهامًا ما في فرقة الأمة الإسلامية.
وللأسف إن بعض من يرى هذه السلبيات، ويعمى عن الحق الذي من أجله قامت هذه الجماعات قد أفتى بأن التجمع لأمر الدعوة، والاجتماع تحت مسمى من هذه المسميات غير مشروع ظنًا في زعمه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا وأن هذا يؤدي إلى الفرقة والخصام .. فأما كون هذا العمل غير مشروع فقد رددنا عليه برسالة مستقلة أسميتها (مشروعية الجهاد الجماعي) . وأما أنها تسبب الفرقة والخصام فإن هذا ليس سببًا لمنع المباح فكيف بالواجب الحتمي اللازم .. أعني ليس كل ما يسبب الفرقة والخصام يجب أن يحرم ويمنع .. ولو منعنا كل ما يسبب فرقة أو خصومة لحرمنا الناس من السعي لطلب الكسب والمشاركات، والتجارات وكل أنواع الاجتماع، ولحرمنا كذلك كل أنواع التميز فلا أنصار ولا مهاجرين، ولا قبائل ولا شعوب لأن كل تميز يؤدي في الغالب إلى الاختلاف ألا ترى أن (الأنصار) اسم يميز أناسًا عن غيرهم من المسلمين (والمهاجرين) كذلك اسم مميز لطائفة من أهل الإسلام ألا ترى أنهم تقاتلوا أحيانًا وتعصب بعضهم لهذه التسميات .. وقال لهم الرسول: [دعوها فإنها منتنة] (أخرجه البخاري عن جابر) !! فلماذا إذن لم تلغ هذه التسميات، ولم يكتف فقط بمسمى الإسلام الذي يجمع الجميع ولا يميز بين فريق دون فريق؟ ..
ألا ترى أن أتباع كل إمام من أئمة الفقه انتصروا لإمامهم، ونصروا فقهه ورأيه .. وأنه وقع بينهم مشاحنات ومخاصمات بل حروب ودماء .. أيكون هذا سببًا لإلغاء المذاهب الفقهية، وإمامة الدين، وعدم جواز النسبة لإمام من أئمة الفقه والعلم والدين؟ لا شك أنه لا يجوز إلغاء التجمع على إمام، والتفقه على فقيه بذاته، وتدوين علمه وأقواله والانتساب إليه، وإنما الذي لا يجوز هو التعصب له، ورد الحق من أجله، وجعل قوله هو المرجع النهائي في الدين دون قول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين.