تلك هى معالم المجتمع المسلم التى لا ينفك عنها، ولا تنفك عنه. إنه مجتمع تختلط فيه صيحات التكبير والتحميد بضوضاء المصانع وضجة الآلات. وبين الحين والحين تستمع الأسواق الصاخبة، والحياة المائجة، إلى مناد جهير الصوت، واضح النبرات، جلى العبارات. يطلب من الناس أن يستعدوا للصلاة. العمل لله، والولاء لله، والبدء باسمه في كل حركة، وسكنة، شعار هذا المجتمع..!! والحكم- في تعريف الفقه الإسلامى- خلافة عن النبوة في رعاية شئون الناس الدينية والدنيوية، فكما يقيم الحاكم جسرا على نهر ليعبر عليه العابرون، يبنى المعهد الذى يصقل النفوس، ويبين الحلال والحرام، والفضيلة والرذيلة..!! كلا العملين جزء من وظيفته، وليس أحدهما أولى من الآخر باهتمامه. لأن تصحيح الأوضاع المدنية مهاد حتم لتصحيح الأوضاع والغايات الإنسانية التى تنساق إليها، وكذلك حشد الخبرات والقدرات التى تعين على ذلك كله. ومن ثم وجب أن يكون الحكم ترجمة أمينة للمجتمع الذى يقوم فيه، وأداة صالحة للتعبير عن مزاج الأمة.. وعقيدتها التى تقدسها، وشرعتها التى آثرتها.. والعالم الإسلامى المترامى الأطراف يود أن يسير على منهاج كتابه، لكنه محروم مما يود. وتوجد قوى شاذة تعاكس رغبته، وتحاول بوسائل الإكراه المادى والأدبى أن تلوى زمامه عن الوجهة التى يريد.. إنها تضغط عليه كى يرتد عن ديانته كلا أو جزءا، على قدر ما تبلغ أدوات هذا الضغط الباطنة والظاهرة..!! ولعلها تكتفى منه مؤقتا أن يترك بعض ما أوحى إليه، على أمل أن يترك الوحى كله مستقبلا.. ولكن هذا العالم الإسلامى المتعب فصر على الاستمساك بالدين كله، وراغب أن ينال حرية العمل به، والاحتكام إليه. ص _010