فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 1350

ومَثَلُ الإنسان كمثل أي كائن آخر مِن حيث وُجوده وقيامه بالله، وقد كرَّمه الله وأعطاه الكثير مِن المِنَح والمَزايَا، ووهبه هذا التمييز والفهم، وسخَّر له الكثير مِن العوالِم الأخرى، وجعله خليفةً في الأرض، ومِن أجل ذلك كانت مسئوليته فيما يتعلق بتصحيح الصلة بينه وبين الله عظيمةً خطيرة. أمَّا تصحيح هذه الصلة، فإن ذِروتها العُليَا ومثَلها الأسمى إنما هو ما أمر به ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ في قوله تعالى: (قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ لا شَريكَ لهُ وبِذَلكَ أُمِرْتُ وأنَا أوَّلُ المُسلِمينَ) .

وفرْقٌ هائل بين مَن يتَّخذ هذه الآية القرآنية شعارًا ومَن يحاول ـ مُتجاوزًا قدْره ـ الاستدلال على وُجود الله بمَخلوق مِن مَخلوقاته. إن الفرق بينهما هو الفرق بين طريق الهُدى والصواب وطريق الجدل والشك. وجاء الإسلام ـ كما قلنا ـ ليَضع الأمور في نِصابها وليُصحح الأوضاع التي انحرفت.

ومِن هذه الأوضاع المُنحرفة الشرْك بالله، والإنسان يُشرك بسبب الضعف على وجه العموم، وقد يكون هذا الضعف فقرًا، وقد يكون جهلًا، وقد يكون طمعًا وجَشَعًا، وقد يكون خوْفًا وفزَعًا، وقد يكون غير ذلك، ومهما يكن مِن أمر الشرك فإنه أينما وُجد ليس إلا مَظهرًا مِن مظاهر الضعف.

وحاول الإسلام أوَّل ما حاوَل أن يُظهر النفوس مِن هذا الضعف وأن يُعيدها بالتوحيد إلى مَجالات العِزَّة والكرامة.

(وللهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ وللْمُؤمنينَ) . فكانت دعوته للتوحيد.

أمَّا ما في القرآن ممَّا تخيَّله الناس استدلالًا على وُجود الله، وأعتقد أن القرآن يَذكره للاستدلال وُجودًا لله، فليس إلا بيانًا لمظاهر قدرة الله وعنايته بالعالَم، ومِن ذلك مثلًا: (وفي الأرضِ قِطَعٌ مُتجاوراتٌ وجناتٌ مِن أعنابٍ وزَرْعٌ ونخيلٌ صِنْوَانٌ وغيرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بماءٍ واحدٍ ونُفَضِّلُ بَعضَها علَى بعضٍ في الأُكُلِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت