فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 1350

والثقافة في أوربا ـ الثقافة النظرية ـ التي لا تتصل بالتجربة أو بالمُلاحظة، الثقافة النظرية في أوربا مُتطورة، وهذا حقيقيٌّ، متطورة؛ لأنها بشرية، وكل ما هو بشريٌّ مِن نِتاج العقل البشري فإنَّما هو نِسبيٌّ، وهو إذَن مُتطوِّر، وقد يكون هذا التطور تطورًا إلى القديم لا تطورًا إلى شيء جديد، يَعني مثلًا مذهب الوُجودية الحالي، الذي يُقال إنه مذهب جديد كل الجِدَّة، إنما هو مذهب السفسطائية القديم، لا أكثر ولا أقلَّ، إنه المذهب الذي يرى أنه ليس هناك حقيقة مُطلقة، وإنَّما الإنسان يُكَيِّف نفسه، ويُكوِّن نفسه، ويُوَجِّه نفسه.

وهو ليس في هذا إلا فردًا مِن الأفراد، له رأيه الخاص؛ لذلك لا يسري رأيه على الآخرين؛ لأنه ليست هناك حقائق مُطلقة، فهو عودة إلى المذهب القديم ـ مذهب السفسطائية القديم ـ المذهب الذي لَفَظَتْهُ كل الهيئات السليمة، إنه عودة إلى مذهب تَلْفِظُهُ كل البيئات السليمة. ومذهب الوجودية في الحقيقة والواقع لا يَسُود إلا في البيئات المَريضة التي لا ترى وَزْنًا للقيم الأخلاقية، ولا للدِّين، ولا للحقائق المُطلقة، وترى أن الإنسان يُكَوِّنُ نفسه مِن الألِف إلى الياء، مُستقلًا عن التقاليد، وعن الدين، وعن كل شيء في المُجتمع ونعود إلى فكرة التطور. لقد نشأت مع"دارون"وكانت لها شُهرة قوية في أوساط أوربا، وفي أوساط الشرق، ولكن هذه الفكرة نفسها ـ باعتراف كل العلماء ـ فيها الفجَوات التي نجعلها ظنيَّة لا يَقينيَّة، إنها فكرة ظنيَّة لم تُصبح يَقينًا، وكثير مِن العلماء هاجمَها وعارَضها، وأقام الأدلَّة على انهيارها، ولكنها مع ذلك سارت في بعض الأوساط الشرقية، وأَصبحنا الآن ـ وهذا هو الخطر الذي نَحذر منه ـ أصبحنا الآن نرى كُتبًا بأقلام المسلمين وبأقلام المُفكِّرين الكبار، تقول بفِكرة التطوُّر، وكأنها حقيقة مَوجودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت