يخطئ من يظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان مجرد عالم منقطع إلى تعلم العلم وتعليمه، أو كان مجرد صاحب مدرسة فكرية أو عقائدية، وأن طلابه وإخوانه المحيطين به كانوا مجرد طلبة يتلقون العلم عنه، ويتأدبون بآدابه، في البحث والمناظرة وطلب العلم فقط .. ولقد كررت هذه العبارات كثيرًا لتفهم وتوعى. ومرة أخرى أقول إن شيخ الإسلام ابن تيمية كان عالمًا عاملًا قائمًا بما يستطيع من الواجبات الكفائية التي أهملتها الأمة في وقته .. فقد كان الواقع السياسي كما قدمنا من سقوط الخلافة العباسية، وتغلب المغول المتوحشين الذين دخلوا بالإسلام اسمًا ولم يلتزموا بشرائعه بل حاربوا أهله، وتغلب الصليبيين في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي، وتسلط الباطنيين على أقاليم ومدن كثيرة أخرى، وتوزع ما بقي من دولة الإسلام، في مصر والشام على سلاطين ونواب لهم من المماليك: بعضهم مصلح وكثير منهم مفسدون. ولكنهم كانوا هم البقية الباقية من الأمة المنتمية إلى أهل السنة والجماعة ..
هذا والشعوب الإسلامية في حال يرثى لها من التفرق والتمزق وكثرة الأهواء، والمرض والتقليد، والجمود وكثرة البدع والتصوف الذي عم وطم، والندرة الشديدة لمن هم على عقيدة السلف الصالح ..
في هذا الجو السياسي والعقائدي والاجتماعي الخانق عاش شيخ الإسلام ابن تيمية .. وقد ذكرنا مرارًا أنه حارب على كل الجبهات، وكان من هذه الجبهات التي حارب عليها وكان له فيها دور عظيم الجبهة السياسية التي مارس فيها شيخ الإسلام أحيانًا دور الإمام، وأمير الجماعة، ومقدم الأمة .. ولا شك أنه كان يستند في ذلك إلى الجموع التي تؤيده؛ وتنفذ أمره .. وتنفذ وعيده وتهديده، وسنختار في هذا الصدد بعض المواقف من حياة شيخ الإسلام التي تبين بها لما لا يدع مجالًا للشك أن شيخ الإسلام مارس دور القائد السياسي، وأمير الجماعة المتنفذة. وإمام قوة من قوى الضغط والثقل في المجتمع الإسلامي.
وهذه المواقف باختصار هي رسالته إلى رئيس قبرص (سرجوان) الذي يأمره بها بتسليم أسرى المسلمين وعدم المساس بهم، ويتهدده بأسرى النصارى في بلاد المسلمين، هذا إلى دعوته إياه إلى الإسلام.
والموقف الثاني سفارة الشيخ إلى قازان ملك التتار ومفاوضته له في أسرى المسلمين وزجره عن إهانتهم وتهديده ووعيده واستخلاص أسرى المسلمين منه .. والموقف الثالث: تجريد شيخ الإسلام حملة لمحاربة فرقة النصيرية الجبلية، وإلزامهم شرائع الإسلام.
وإليك بعض التفاصيل لهذه المواقف العظيمة من مواقف شيخ الإسلام التي تدلك على أنه كان إمامًا وقائدًا إلى جوار كونه مرشدًا ومعلمًا رضي الله عنه .. قال في رسالته إلى سرجون حاكم قبرص:
1 -رسالة شيخ الإسلام إلى ملك قبرص النصراني: