وأى مسلم لا يداعب نفسه هذا الأمل الحلو؟ وأى مسلم لا يعمل له وعلى لسانه قول الشاعر: منى إن تكن حقا تكن أعذب المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا لكن من يقيم هذا الحكم المرغوب ؟ وما الأدوات التى تمكن له؟ إن الدولة المسلمة لن تجىء إلا ثمرة أمة مسلمة، وإذا صدقنا أن الوثنيين يقيمون حكما للتوحيد صدقنا أن يقيم الدٌعَار حكما للفضيلة، وأن يقيم المهازيل نظاما للرجولة، وأن يصنع العبيد منهاجا للسيادة.. إن أول ما ينتظر في جماعة تبغى الحكم بما أنزل الله أن يصحب بعضهم بعضا على هذا الأساس، وأن يعامل بعضهم بعضا بهذا المنطق. لذلك جزعت عندما رأيت بعض من يتنادون بدستور السماء يعيشون في وساوس الأرض وأوحالها. لقد كان القرآن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أى أن من دعا الناس إلى اتباعه جعله صقال روحه، وملاك أمره، ومعقد شمائله، ودعامة سيرته.. كان محمد عليه الصلاة والسلام نقى السر والعلن، طهور الظاهر والباطن، لا يوجد بين حياته الخاصة وحياته العامة حجاب، فسيرته في نفسه وفى بيته كسيرته بين الناس، ودعوته التى يعرض على الناس أصولها كان أول الناس احتكاما إليها وأخذا بها، وقد ظل بارزا للأصدقاء والخصوم سنين طويلة، فما عرفت عنه ريبة، ولا وقع تناقض بين سلوكه الخاص وسلوكه العام. إن الرسالة التى نادى بها هى الرسالة التى عاش فيها، وهى التى ضبطت أحواله كلها سواء ما اطلع عليه الناس أو ما خفى عن أعين الناس. ومثل ذلك لا يطيقه الأدعياء من أصحاب الشهوات، ومن ذوى الرجولة المريضة والأخلاق الملتوية. ولقد حاول خصوم رسالته أن يستدرجوه إلى المداهنة والمسلك المزدوج فأبى وهو القائل:"ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها". ص _0 ص