فإذا ضممت إلى ذلك أن العمل بالإسلام روح العلم به، وأن العلم والعمل كليهما لا يحسنه إلا امرؤ مكتمل المشاعر ناضج المواهب وثيق العلائق بالحياة نافذ البصر إلى الأحياء، ازددت اقتناعا بندرة الرجال الذين تصدق عليهم هذه الصفة الكبيرة. إنه لو صحت تسمية النجارين والحدادين علماء في الفلك والكيمياء، صحت تسمية أولئك النفر علماء بالدين . ومع ذلك فهم علماء! تلك حال الخاصة، أما أحوال العامة فهى أدهى وأمر.. إن الجهالة التى كبت فيها بلاد الإسلام من أمد طال، أعادت الجاهلية القديمة وتركت كسفها يتساقط هنا وهناك، فلا يبقى ضياء ولا عرفانا. ومن المحزن أن تقرأ ترتيب الأجناس التى تسكن هذه الأرض فإذا جمهور المسلمين يحتل المنزلة الثالثة عشرة، ولا ندرى أيعقبهم الزنوج في المنزلة التى تليها؟ أم يشركونهم في تلك المنزلة فلا يجىء بعدهم إلا الزواحف والحشرات..؟ وينبغى أن نعترف بالمحاولات الجبارة التى بذلها طائفة من الحكام لرفع مستوانا المادى والأدبى. وينبغى أن نعترف كذلك بأن ينابيع المعرفة التى تفجرت فى (أوروبا) فاضت علينا كما تهبط المياه من الشلالات السامقة على الوهاد السحيقة فيسمع لها هدير بعيد. وقد قلنا: إن العلم الحديث تحسس طريقه في الحياة وحده وأنه لم يجد معونة البتة من الكهانات الأولى، بل لم يخلص مسيره من العوائق المثبطة إلا بعد ما هشم هذه الكهانات وأفقدها حراكها وشقى دهرا طويلا في مصارعتها والتغلب عليها.. وهنا نجد فرقا ضخما بين أحوال الشرق الإسلامى والغرب المسيحى، يسجله تاريخ العصور الوسطى. إن ارتقاء الحضارة واستبحار العمران اقترنا بازدهار الإسلام في بلاده. ولم تنحدر أحوال المسلمين المادية والأدبية إلا في العصور التى انحطت فيها الثقافة الإسلامية واستعجم فيها هذا الدين. ص _063