فقال: اعتبر مجاهد الظاهر، وامتثل رجلين، أحدهما سلاحه تام، وحمل نفقة سنة، وتجهز بما يحتاج إليه، ورافق في الطريق رفقاء، وتبسَّط في مسيره وطرِب مع رفقائه، وتلذَّذ برؤية الكون ولقاء الناس،وفرح بما نسب إليه من الجهاد، والغزو، فقيل: هذا فلان الغازي، وطمعت نفسه في علو المرتبة، وارتفاع المنزلة عن الناس، واتخذ الجاه عندهم بذلك، ونال الكرامة في مسيره مقبلًا ومدبرًا، وقلبه ههنا معلَّق بحب الدنيا، وما خلَّف فيها، فهذا حاله في الطريق حتى إذا بلغ المنتهى، فعلى وده أنه لا يلقى عدوًَّا أبدًا، ولا يسمع بذكره، فهو مقيم هناك مع حنين قلبه إلى شهواته ومناه التي خلَّفها وراء ظهره. ص107، 108
23_ قال له قائل: وما الهوى؟.
قال: جوهرة النفس؛ لأن آدم _ عليه السلام _ خلق من تراب، فكان الهوى هو عنصره الذي فيه جوهريته الترابية، فكانت تلك الترابية متشعبة في النفس، وهو صفوة غذاء الأم، والهوى تنفس النفس، وهوكدورته، وأصل جوهريته، وهو مظلم،وهو قوة غذاء الأم.
لأن التراب مظلم، وأمك إنما ربتك من اللبن، ومما أَخْرَجَتِ الأرض؛ فلذلك قيل في الحديث: ( لكل شيء نفس، ونفس النفس الهوى) ، فما دام الروح فيك فأنت كون الروح، فإذا خرج الروح منك صار وجهك وجميع جسدك كأنه ذر عليك التراب. ص114، 115
24_ فمن هاهنا هواك يميل بك إلى نعيم الأرض؛ لأنه من جنسه.
وإليه يحنُّ، وله يألف؛ فهذه النفس مضطربة إذا حملت عليها أمر الله _تعالى_ كذلك الأرض لما حمل عليها الخلق اضطربت؛ فأُسكِنت بالجبال الرواسي حتى سكنت. ص115، 116
25_ كذلك النفس، إذا اضطربت فإنما تسكن بالمعرفة؛ فكلما كانت معرفتك أعظم وأثقل على القلب، كانت النفس أسكن، ومنه قيل: الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. ص116
=تعريف بالمؤلف+:
هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى، المعروف بأبي هلال العسكري.