قَالَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ:
وَغُنَّ مِيمًا ثُمَّ نُونًا شُدِّدَا ... وَسَمِّ كُلًا حَرْفَ غُنَّةٍ بَدَا
بَابُ أَحكَامِ المِيمِ السَّاكِنَةِ
إِذَا جَاءَتِ الْمِيمُ السَّاكِنَةُ قَبْلَ الْحُرُوفِ كَانَ لَهَا ثَلاثَةُ أَحْكَامٍ، وَهِيَ:
الإخْفَاءُ الشَّفَهِيُّ مَعَ الْغُنَّةِ، وَإِدْغَامُ الْمِثْلَيْنِ الصَّغِيرُ، وَالإظْهَارُ الشَّفَوِّيِّ.
قَالَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ:
وَالمِيمُ إِنْ تَسْكُنْ تَجِي قَبْلَ الْهِجَا ... لاَ أَلِفٍ لَيِّنَةٍ لِذِي الْحِجَا
أَحْكَامُهَا ثَلاَثَةٌ لِمَنْ ضَبَطْ ... إِخْفَاءٌ ادْغَامٌ وَإِظْهَارٌ فَقَطْ
الحُكمُ الأَوَّلُ: الإِخفَاءُ الشَّفَوِيُّ
الإِخْفَاءُ الشَّفَوِيُّ هُوَ تَحْوِيلُ الْمِيمِ السَّاكِنَةِ إِلَى مِيمٍ مُخْفَاةٍ؛ فِي حَالَةِ بَيْنَ الإِظْهَارِ وَالإِدْغَامِ (*) مَعَ الْغُنَّةِ بِمِقْدَارِ حَرَكَتَيْنِ (1) ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَأْتِي حَرْفُ الْبَاءِ بَعدَ المِيمِ السَّاكِنَةِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ:
هُمْ {بِهِ} ، {يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ} ، {أَنْبَأَهُمْ (( (( (( (( (( (( (( (} .
قَالَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ:
فَالأَوَّلُ الإِخْفَاءُ عِنْدَ الْبَاءِ ... وَسَمِّهِ الشَّفْوِيَّ لِلْقُرَّاء
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ الْمُعَاصِرُونَ فِي مَسْأَلَةِ إِطْبَاقِ الشَّفَتَيْنِ عِندَ النُّطقِ بِالمِيمِ الْمُخْفَاةِ إِلَى قَائِلٍ بِالإِطْبَاقِ وَإلَى رَافِضٍ لَهُ، وَالصَّحِيحُ الرَّاجِحُ الإِطْبَاقُ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ مِن الْقُرَّاءِ كَالْحَافِظِ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ وَالإِمَامِ الشَّاطِبِيِّ وَالإِمَامِ ابْنِ الْجَزْرِيِّ وَالإِمَامِ النُّوَيْرِيِّ وَالْحَافِظِ أَبُو شَامَةَ الْمَقْدِسِيِّ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَقَالَ الشَّيْخُ عَامِرُ ابْنُ السَّيِّدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالْفُرْجَةِ بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ وَتَرْكِ إِطْبَاقِهِمَا، وَنُسِبَ
(1) (*) كَذَا قَالَ الشَّيْخُ مَحْمُودُ ابْنُ أََمِِين طَنْطَاوِيُّ حَفِظَهُ اللهُ، قَالَ:"الْمَشْهُورُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْقُرْآنِ أَنَّهَا تُخْفَى - أَيِ الْمِيمُ - فِي الْبَاءِ، هَذَا مَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا. وَيَرَى عُلَمَاءُ الْعِرَاقِ أَنَّ الْمِيمَ فِيهَا وَجْهَانِ: الإِظْهَارُ مَعَ الْغُنَّةِ وَعَدَمِهَا".
(1) هَذَا َهُوَ مَا اشْتُهِرَ فِي الأَمْصَارِ وَقَرَأَ بِهِ الْكِبَارُ وَالصِّغَارُ، وَلَكِنَّ إِظْهَارَ الْمِيمِ عِنْدَ الْبَاءِ إْظْهَارًا شَفَوِيًّا صَحِيحٌ أَيْضًا، وََقَدْ حَكَى الإمَامُ ابْنُ الْجَزْرِيِّ الْخِلافَ فِي التَّّمْهِيدِ (1/ 115) ، وَقَالَ َفِِي النَّشْرِ (1/ 166) : وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ مَأْخُوذٌ بِهِمَا إِلا أَنَّ الإِخْفَاءَ أَوْلَى لِلإِجْمَاعِ عَلَى إِخْفَائِهَا عِنْدَ الْقَلْبِ أ. هـ، قُلْتُ: وَلا يُدْرِكُ هَذَا إِلا الْقُرَّاءُ الْمُحَقِّقُونَ، فَالإِخْفَاءُ أَوْلَى لِئَلا يَشْتَعِلَ الْخِلافُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.