الآية الأولى منها - قوله تعالى: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) (النجم: 22 - 23) ، وقال بعدها: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم: 27 - 28) ، للسائل أن يسأل عن تعقيب قوله أولًا: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) بقوله: (وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) وثانيًا بقوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) ؟ وما الفائدة من تقديم ما قدم وتأخير ما أخر؟ وهل كان العكس مناسب؟
والجواب، والله أعلم: أنه لما قال تعالى قبل هذا: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) (النجم: 19 - 20) فذكر أصنامهم وتسميتهم إياها آلهة واتخاذها معبودات، وذكر تعالى في مواضع أخر أنهم جعلوا الملائكة إناثًا) (الزخرف: 19) وأنهم بنات الله .. قال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ) (النحل: 75) ، وكرهوا البنات لأنفسهم وإليه الإشارة بقوله: (وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) (النحل: 75) (أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون) ، قال تعالى مخاطبًا نبيه صلى اله عليه وسلم ومعلمًا بحالهم وتوبيخًا لهم (وتقريعًا) (مع) إبقاء أعظم التلطف وأجل الحلم: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) (النجم: 21 - 22) أي جائزة، ثم عرفهم بما لا جواب لهم عليه وأنه مرتكب لا مستند له فقال: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) (النجم: 23) إلا اتباع ظن وهوى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) (النجم: 23) ، ثم نبه تعالى على الرحمة بما جاءهم به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) (النجم: 23) ، وعرفهم بما تشهد العقول بتصديقه لإدراك ذلك إدراكًا ضروريًا فقال تعالى: (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) (النجم: 24) أي الجاري في الوجود أن الإنسان قد يتمنى الشيء فلا يدركه إذا لم يقدر له وقد يجيئه ما لا يريده لا بحسب تمنى المتمني منكم إلا أن شاء ذلك، ثم أخبر تعالى عن الملائكة وأشار إلى علىّ أقدارهم فقال: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي