سابعًا: هياج الذكريات الجميلة، ففي الحج تهيج الذكريات الجميلة: وهذا سر بديع من أسرار الحج العزيزة على كل قلب مسلم، وما أكثر تلك الذكريات، وما أجمل ترددها على الذهن؛ فالحاج على سبيل المثال يتذكر أبانا إبراهيم الخليل _عليه السلام _ فيتذكر توحيده لربه، ومُهاجرَه في سبيله، وكمال عبوديته، وتقديمه محابَّ ربِّه على محابِّ نفسه، ويتذكر ما جرى له من الابتلاءات العظيمة، وما حصل له من الكرامات، والمقامات العالية، ويتذكر أذانه في الحج، ودعاءه لمكة المكرمة، وبركات تلك الدعوات التي ترى آثارها إلى يومنا الحاضر.
ويتذكر الحاج ما كان من أمنا هاجر _ عليها السلام _ فيتذكر سعيها بين الصفا والمروة؛ بحثًا عن ماءٍ تشربه؛ لتدر باللبن على وليدها أبينا إسماعيل ذلك السعي الذي أصبح سنة ماضية، وركنًا من أركان الحج.
ويتذكر أبانا إسماعيل _ عليه السلام _ فيمر بخاطره مشاركة إسماعيل لأبيه إبراهيم في بناء الكعبة، ويتذكر ما كان من بر إسماعيل بأبيه؛ حيث أطاعه لما أخبره بأن الله يأمره بذبحه، فما كان من إسماعيل إلا أن قال: [افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ] (الصافات:102) .
ويتذكر الحاج أن مكة هي موطن النبي"ففيها ولد وشب عن الطوق، وفيها تنزل عليه الوحي، ومنها شعَّ نور الإسلام الذي بدد دياجير الظلمات."
ويتذكر من سار على تلك البطاح المباركة من أنبياء الله ورسله، وعباده الصالحين؛ فيشعر بأنه امتداد لتلك السلسلة المباركة، وذلك الركب الميمون.
ويتذكر الصحابة _ رضي الله عنهم _ وما لاقوه من البلاء في سبيل نشر هذا الدين.
ويتذكر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس وأنه مبارك وهدى للعالمين.
بلدة عظمى وفي آثارها ... أنفعُ الذكرى لقوم يعقلونْ
شبَّ في بطحائها خيرُ الورى ... وشبا في أُفِقْها أسمحُ دينْ