دخلت حرفة الحرب ميدانها الخامس بعد ميادين الأرض، والبحر، والجو، والفضاء، جاء ميدان الشبكات المعلوماتية. فقد أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن البنية الرقمية الأمريكية هي ثروة وطنية استراتيجية، وقام بتعيين هاورد شميت رئيس أمن شركة مايكروسوفت السابق مديرا للأمن الإلكتروني. وقام البنتاغون في شهر أيار الماضي بأنشاء مركز قيادة شبكة المعلومات الجديد ( CYBERCOM) برئاسة الجنرال كيث الكسندر، مدير هيئة الأمن الوطنية ( Homeland Security) . مهمة المركز أن يقوم بعمليات شاملة للدفاع عن الشبكات الإلكترونية العسكرية الأمريكية، وان يهاجم شبكات البلدان الأخرى. ولكن تبقى ماهية وكيفية العمليات سرية.
قامت بريطانيا أيضا بتعيين طاقم أمن إلكتروني وأنشاء مركزًا للعمليات مقره في ( LGCHQ) ، وهو الموازي البريطاني لهيئة الأمن الوطنية ( Homeland Security) في أمريكا. وتتكلم الصين عن أنها ستربح حروب معلوماتية في منتصف القرن الواحد والعشرين. وعدد كبير من الدول تتهيأ للحرب على الشبكات المعلوماتية، منها روسيا، والكيان الصهيوني، وكوريا الشمالية. كما تفتخر ايران بأن لديها ثاني اكبر جيش إلكتروني في العالم.
ما هو الشكل الذي ستتخذه تلك الحرب الإلكترونية؟ يتصور ريتشارد كلارك الموظف السابق في البيت الأبيض الذي كان مسؤولًا عن محاربة الإرهاب وعن الأمن الإلكتروني في كتاب جديد له، يتصور فشلًا فادحًا خلال 15 دقيقة. هدم فيروسات الحاسبات الآلية لأنظمة البريد الإلكترونية العسكرية، تفجير مصافي وأنابيب بترول، انهيار أنظمة توجيه الطائرات، خروج قطارات الشحن والركاب عن سككها، تسرب المعلومات المالية، توقف شبكة الكهرباء في شرقي الولايات المتحدة، التفاف عشوائي للأقمار الصناعية، انهيار المجتمع نتيجة عدم توفر الطعام واستهلاك المال، والأسوأ من هذا كله أن هوية المهاجم ممكن أن تبقى غامضة.
في نظر مايك ماكدونالد (أحد قادة التجسس سابقًا) أن تأثير هجوم إلكتروني عالمي شبيه جدًا بهجوم نووي، ويقول أن الحرب الإلكترونية العالمية قد بدأت"وأمريكا تخسرها". وعلى صعيد أخر يقول السيد شميدت:"أن الأمر ليس كذلك، ليس هناك حربًا إلكترونية عالمية". ويتهم بروس شنايدر (خبير علم أمن التكنولوجيا) المنتفعين من الحرب الإلكترونية كالسيد كلارك بترويج الذعر. فهو يقول أن العالم الإلكتروني سيكون بالتأكيد جزءًا من أية حرب في المستقبل، ولكن هجوم مروع كهذا على أمريكا صعب أن يتحقق وهو شيء من محض الخيال ومعقول فقط في إطار حرب حقيقية وفي هذه الحال فمن الأرجح أن يكون المعتدي معروف.
إن علم الحاسبات للقادة العسكريين هو بركة ولعنة لهم. فالقنابل الموجهة بنظام التموضع العالمي؛ والطائرات دون الطيار تطير بسيطرة لاسلكية عبر العالم؛ والطائرات المقاتلة والسفن أصبحت الآن مراكز ضخمة لتحليل المعلومات؛ حتى جندي المشاة العادي اصبح الآن متصلًا بتلك الشبكات. ولكن ازدياد التواصل على شبكة غير آمنة يضاعف من طرق الهجوم الإلكتروني عليها. وازدياد الاتكال على الحاسبات يزيد من تلك الأضرار.
الأجهزة المصابة (أي بي IP)
تستطيع شبكات المعلومات أن تجزء المعلومات وأن تبثها عبر طرق متعددة مما يقلل من فقدان أجزاء كبيرة من هذه الشبكات. ولكن بعض البنية الرقمية العالمية قد تتأثر بصورة أكبر، إذ أن أكثر من 90% من حركة المرور في شبكة المعلومات (مثل الإنترنت) تنتقل عبر خطوط ألياف ضوئية ممدودة تحت البحار. وهذه الخطوط مجمعة بخطورة في نقاط قليلة ضيقة حول نيويورك، أو البحر الأحمر أو مضيق لوزون في الفيليبين (أنظر الخريطة) تُوجه حركة مرور تلك الشبكة بواسطة 13 ملقم من خادمات أسماء النطاق الضعيفة ( domain-names servers) ، وهناك مخاطر أخرى قادمة. فمساحات شاسعة من أفريقيا التي فيها حكومات ضعيفة، تُوصل الآن بخطوط ألياف بصرية مما يشكل ملاذًا جديدًا لمرتكبي الجرائم المعلوماتية. وانتشار الشبكات الجوالة سيتيح فرص جديدة للاختراق.
شبكة المعلومات كانت قد صممت للسهولة وليس للأمن. ولكن في توصيل العالم ببعضه البعض اختلطت الحدائق مع الغابات فجواز السفر غير مطلوب في عالم الإنترنت. بينما الشرطة محددة الحركة بالحدود الدولية فأن مرتكبي تلك الجرائم يتحركون بحرية. لم تعد الأمم المعادية عبر البحار بل هي خلف الجدار الناري للحاسب الآلي ويستطيع ذوي النوايا السيئة أن يحجبوا معرفاتهم وأماكنهم، وان يقلدوا الآخرين، وان يدخلوا باحتيال على الأبنية التي تحتوي على الثروات الرقمية للعصر الإلكتروني: المال، والمعلومات الشخصية، والممتلكات الفكرية.