المطلب الرابع: العقود المستثناة من صحة التعاقد بطريقة الإنترنت:
استثنى قرار مجمع الفقه الإسلامي من صحة التعاقد بطريقة الإنترنت (النكاح لاشتراط الإشهاد عليه, والصرف لاشتراط التقابض, والسلم لاشتراط تعجيل رأس المال) (1) . وسنناقش هذه العقود الثلاثة:
أولًا: عقد النكاح:
من شروط النكاح الإشهاد (2) , بأن يَشهد على عقد النكاح شاهدان رجلان عدلان, أو رجل وامرأتان, لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين" (3) ولأن في الشهادة حفاظًا على حقوق الزوجين والولد منهما, وفيها درء التهمة عن الزوجين وبيان أهمية النكاح وعظيم مكانته (4) .
وحينما نتأمل شرط الإشهاد نجد أنه في ظل الطرق الحالية للتعاقد بطريق الإنترنت من الممكن حضور وتحكيم للشهادة وخاصة إذا كان التعاقد عبر المحادثة والمشاهدة (5) فبناء على إمكان تحقق هذا الشرط هل يصح إجراء عقد النكاح بطريق الإنترنت؟
القول بصحة ذلك له حقه من النظر خاصة على مذهب الحنفية الذين يجيزون انعقاد النكاح بالكتابة , إذا كان الزوجان غائبين عن بعض وحضر شاهدان عند وصول الكتاب (6) .
ولكن الذي يظهر للباحث هو عدم صحة عقد النكاح بطريق الإنترنت وذلك لما يلي:
1 -أن للنكاح مكانته الخاصة حيث يترتب عليه آثار مهمة تتعلق بالزوجين وولدهما طول الحياة, وعلى ذلك فإنه لا يمكن مساواة عقد النكاح بالعقود المالية التي تكون آثارها مقصورة في الغالب على جانب معين وبشكل محدود.
2 -أن الشكل في إنشاء عقد النكاح معتبر وهذا ظاهر لمن تأمل أحكامه ومقاصده، وهو بخلاف العقود المالية التي مبناها على التراضي دون النظر إلى شكل العقد.
(1) أنظر القرار السابق عرضه ص9.
(2) انظر: بدائع الصنائع 2/ 252 والشرح الكبير على مختصر خليل 2/ 236 , ومغني المحتاج 3/ 144 , والمغني 6/ 347.
(3) رواه الدارقطني في كتاب النكاح 3/ 221 ,والبيهقي في كتاب النكاح 7/ 125.
(4) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته. د. وهبة الزحيلي 7/ 71.
(5) يختلف الفقهاء في صحة عقد النكاح بغير اللفظ أي بالكتابة والإشارة, فذهب الجمهور إلى عدم صحة النكاح بالكتابة سواء كان المتعاقدان حاضرين أو غائبين, وذهب الحنفية إلى صحة عقد النكاح بأن يكتب الرجل للمرأة: تزوجتك, أو زوجيني نفسك فقالت المرأة في مجلس وجود الكتاب: قبلت الزواج بحضور شاهدين فالعقد صحيح والزواج منعقد.
أنظر بدائع الصنائع 2/ 252 , والشرح الكبير على مختصر خليل 2/ 236 , ومغني المحتاج 3/ 144 , والمغني 6/ 347.
(6) أنظر: بدائع الصنائع 2/ 231, أما بقية المذاهب فلا يرون صحة الزواج بالكتابة , أنظر مواهب الجليل للحطاب 4/ 228 , ومغني المحتاج 3/ 141 ومنتهى الإرادات 4/ 59.