ذكريات من الريف غريب.. أبيت فين؟ سرى إلى نفسى الهدوء الخيم على أرجاء القرية الموشكة على الجوع، فانسابت أفكارى في مجراها العميق هادئة هى الأخرى. وأحس رفيقى بأن حبل الصمت قد طال أكثر مما ينبغى فسألنى بلطف: ماذا بك؟ فأجبته باسما: لا شىء غير أن المرء إذا انتقل من الضجيج المضاعف في المدينة إلى السكون المضاعف في القرية، شعر كأنه يهبط في هاوية من الصمت لا قرارلها، ثم ألست ترى هذه الآفاق المغبرة تستقبل المساء القادم البطىء؟ إن هذه الغبرة نضحت على القرية من المتربة التى تعيش فيها أبدا. قال لى صديقى- محاولا الفرار بى من هذه الأفكار الكئيبة-: دعك من هذه الخيالات، ولا تنس أن فلانا ينتظر حيث تواعدنا على اللقاء جميعا عند شاطئ"النيل". إن مجلسنا هناك حافل بالأحاديث الشائقة وإن كانت أرضه مفروشة بالحشائش الجافة وحدها! ويممنا شطر المجلس العتيد، وإذا بالطريق إليه يعترضها مستنقع راكد من هذه المستنقعات التى يصنعها رشح الفيضان، وتتخلف فيها مياه المطر، فتوقفت كارها واستأنفت صمتى الأول، ثم أرسلت الطرف إلى الشاطئ الآخر للبحيرة الضحلة، ودرت به حول حدودها، ولكنى لم أتبين من معالمها إلا القليل، إنه ليل أشد سوادا من أفئدة المجرمين توارت في طياته هذه الدور المبعثرة بما ضمت من إنسان وحيوان، وكأنها ألفت وحشته المريبة، فما تخلعها عن جدرانها البالية في ليل أو نهار، وقرع أدنى صوت غناء ينبعث من بعيد، غناء صبية يسمرون ويلعبون غير أن ألحان غنائهم كانت تشق حجاب الليل، وتخترق صمته كما يشق الخنجر الحاد الأديم الحى. واختلج فؤادى اختلاجا عنيفا، إذ كانت نبرات غنائهم تكتنفها الكآبة وتغزو المشاعر بمزيج من الحسرة والتفجع! ما هذا؟. وأعرت انتباهى للصدى المتماوج مع هبات النسيم على صفحة المستنقع واستطاعت أذناى أن تلتقطا من أبيات المقطوعة التى يغنيها الأطفال هذا البيت الحزين: ص _045