وأبعد أثرا فالمعاهدة المنقوضة اليوم لا تعدو في حقيقتها أن تكون ميثاقا يعطى اللص الحق في سكنى البيت الذى سطا عليه، والتجول في غرفاته وردهاته كيف يشاء، فهى معاهدة باطلة أصلا، وتحليل الحرام لا يقره دين ولا عقل! وقد احتل الإنجليز هذا الوادى لسلب خيراته، ونهب أقواته، وتعويق نهضته، ووأد حريته. ومنذ سبعين سنة وأهله يسعون حثيثا لاسترجاع حقوقهم المغصوبة، وقد خضبوا بالدم كل خطوة استطاعوا أن يثبوها إلى الأمام! ذلك أن الإنجليز كانوا يبذلون جهودا متتابعة للدفع بالبلاد إلى الوراء حتى تتخلف عن ركب الحضارة، وتحيا على ما يشتهى أولئك الإنجليز حياة الرقيق الأذلين في بلد لا يرفع رأسه، ولا يكرم نفسه! فكيف تضفى على هذه الحال الشائنة صفة قانونية؟ وكيف يقوم تشريع لحماية السلع المسروقة وتسخير الأم الحرة؟ ثم كيف يتوقع أن يستكين الإسلام لهذا الضيم؟ أو يرضى أبناؤه بهذه السبة؟؟ إن الجهاد إلى الرمق الأخير فريضة ماضية إلى قيام الساعة حتى يقذف بهؤلاء الإنجليز إلى الأمواج التى رمت بهم على شواطئنا أو يلقوا المصير الذى يلقاه كل معتد استهوته المغامرات الطائشة، فدفع روحه فيها ثمنا! وقد بين القرآن الكريم أن موالاة المعتدين وإيثار صداقتهم والشذوذ عن رأى (الجماعة) فى كفاحهم، وتقديم أى لون من ألوان المساعدة لهم، أو التجسس لحسابهم، والعمل لمصلحتهم، أو السعى لمصالحتهم.. بين القرآن أن ذلك كله ارتداد عن الإسلام ومروق من الملة، وفى هذا يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) . وهذا القول تصوير صادق لدعاة الهزيمة، وأولى الريبة في مستقبل كل كفاح يدور بين الحق والباطل، فتخوفهم من الهزيمة يبيح لهم الاتصال بالعدو ليأمنوا على أنفسهم، ويؤمنوا على حياتهم،