فهذا من عظيم العفو والصفح الذي كان يتحلى به شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ولعله يأتي مناسبة نتحدث فيها عن هذا الموضوع بشيء من الاستفاضة بإذن الله -عز وجل-.
والتاسع من أنواع الجود: الجود بالرئاسة:
الإنسان قد يكون له رئاسة أحيانًا، ولكنه لا يشفع لأحد، ولا يتوسط لأحد، ولا يقف مع أحد، ولا يخفف مصيبةً نزلت على أحد، يخاف أن تهتز منزلته عند رئيسه، وعند من ولاه، فيكون سلبيًا لا نفع فيه.
ومن عجيب ما يذكر في هذا الباب أنه كان بين غسان بن عبادة وبين علي بن عيسى القُمي عداوة عظيمة، وكانوا أهل وزارة وأهل غنى، وكان علي بن عيسى يتولى بعض الأعمال للمأمون، فنقصت عليه أربعون ألف دينار لا بد له من أدائها، فألح المأمون بطلبها إلى أن قال لحاجبه: أمهله ثلاثًا، فإن أحضر المال وإلا فاضربه بالسياط حتى يؤدي المال أو يتلف، فانصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيسًا من نفسه وهو لا يدري إلى أين يتجه؟ فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان بن عبادة وعرفته خبرك لرجوت أن يعينك على أمرك، فقال: على ما بيني وبينه من العداوة؟ فقال: نعم، فإن الرجل أريحيٌ كريم، فدخل عليه، وتلقاه غسان بالجميل، وأوفاه حقه بالخدمة، ثم قال له: الحال بيني وبينك على حاله، يعني العداوة على حالها لكن تفضل، فإن دخولك على داري له حرمة توجب بلوغ ما رجوته مني، فاذكر إن كانت لك حاجة، فقص عليه القصة، فقال: أرجو أن يكفيكه الله تعالى ولم يزد على ذلك.