فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 40

يقول: فكرهت الحياة وسئمتها، يقول: فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه، فأخبرني، فعلمت أن الخبر صحيح، وأنا الذي قتلتُ أباه، فقلتُ له: يا هذا قد وجب علي حقك، ومن حقك أن أدلك على خصمك، وأقرب لك الخطو، قال: وما ذاك؟ قلت: أنا إبراهيم بن سليمان قاتلُ أبيك، فخذ بثأرك، فقال: إني أحسبك رجلًا أقضه الاختفاء فأحببت الموت لتستريح -يقول: أنت تكذب تريد أن أقتلك لتستريح من هذا التخفي- يقول: فقلت: لا والله، ولكن أقول لك الحق، لقد قتلته يوم كذا، وبسبب كذا وكذا، فلما علم صدقي تغير لونه، واحمرت عيناه، وأطرق مليًا ثم قال: أما أنت فستلقى أبي عند حكمٍ عدل فيأخذ بثأره، وأما أنا فغير مخفرٍ لذمتي، فاخرج من عندي، فلستُ آمنُ عليك من نفسي، يقول: فأعطاني ألف دينار، فلم آخذها منه، فانصرفت عنه، يقول: فهذا أكرمُ رجلٍ رأيته بعد أمير المؤمنين.

ليست الأحلام في حين الرضا ... إنما الأحلام في حين الغضب

ج

وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- له أخبارٌ عجيبة في العفو، لما اجتمع القضاة عند الملك الناصر، وكتبوا أوراقًا يفتون بها بحل دم شيخ الإسلام ويكفرونه، ثم لما ذهب المُلك عن الملك الناصر، وجاء ملك بعده ثم

بعد ذلك استطاع الملك الناصر أن يسترد ملكه، فغضب على هؤلاء؛ لأنهم كانوا قد التفوا حول الملك الجديد، فأحضرهم هؤلاء القضاة والفقهاء الذين بقوا مع خصمه، فأحضرهم فجلسوا وقد أطرقوا برؤوسهم كأن على رؤوسهم الطير، فبينما هم كذلك إذ دخل رجلٌ من الباب من بعيد، فقام إليه الملك الناصر فاعتنقه، ثم جلس يُسارره، فنظروا إليه فإذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فأُسقط في أيديهم، فقالوا: الآن ينتقم منا، فقال له هذا الملك: ما تقول في هؤلاء الفقهاء؟ قال: شيخ الإسلام فعلمتُ أنه يريد أن ينتقم لنفسه، فعظمت عليه قتلهم، فأخرج أوراقًا ورقاع فيها فتاوى بخطوطهم بقتلي وحل دمي، فقلت له: أما أنا فهم في حل، وأما أنت فلا قيام لمملكتك إلا بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت