فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 40

والقول في ذلك القول في التفريق بينهما هو: أن الجود هو بذل النفع من المال وغيره للخلق، وأما الإسراف فهو إضاعة المال فيما حرم الله -عز وجل- ولو كان ذلك المدفوع أو المبذول قليلًا، وهكذا أيضًا: هو إضاعته وصرفه في غير وجه حقٍ شرعي.

وأما ثالثًا: فهو وجه الشبه بين جود النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين الريح المرسلة:

نحن نعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أجود الناس، وقد قالت له خديجة -رضي الله تعالى عنها- لما جاء مذعورًا حينما رأى الملك عند أول وهلةٍ نزل عليه بها، فقالت:"كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق"، يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- معلقًا على قولها -رضي الله تعالى عنها-:"وصفته بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدل وإما بالمال، وإما على من يستقل بأمره، أو من لا يستقل، وذلك كله مجموعٍ فيما وصفته به، فهي تقول:"إنك لتصل الرحم -فهذا إعطاء للقريب- وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف"، فهو يحسن بالمال ويحسن بغير المال ببدنه وبغير ذلك من المنافع."

يعطي لمن يستقلون بأمرهم ويستطيعون القيام بشؤونهم، ويعطي أيضًا من قعدوا وعجزوا عن القيام بشؤونهم ومصالحهم، وجاء في رواية عند أحمد في صفةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه، وجاء في الصحيح من حديث جابر -رضي الله عنه-:"ما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا فقال: لا"

ما قال: (لا) قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعمُ

جج

-عليه الصلاة والسلام-، فهذا البيت وإن قيل في غيره، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أحقُ الناس بهذه الصفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت