الصفحة 5 من 13

أما الرواية الثانية والذي فيه ذكر سالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة فيحتمل إرادة التولية الصغرى أيضًا، أو أنه يعتبره قرشيًا، لأن ابا حذيفة القرشي قد تبناه وهو مولى له ومولى القوم منهم وقد أرضعته زوجه وهو كبير بعد تحريم التبني فأصبح ابنا له. انظر: الإصابة (11/ 81) . وقصة إرضاعه مشهورة وهي في صحيح مسلم وغيره، قال ابن عبد البر: وهو يعد في قريش لما ذكرنا. انظر: الاستيعاب على هامش الإصابة (4/ 101) . أما أبو عبيدة فقرشي باتفاق. انظر: الإصابة (5/ 285) .

4)كما استدلوا من قول أبي بكر رضي الله عنه: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش .. وهذا تعليل لطاعة العرب لهم فإذا تغير الحال تغير موضع الاختيار.

الرد: هذا تعليل بعيد، لأنه ظاهر في أحقية قريش بالخلافة فهو بحث دليل على اشتراط القرشية لا على نفيها، والنصوص التي ذَكَرَتْ استدلال أبي بكر مُبَيّنَة لهذا الظاهر، وهذا ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم بدليل تسليمهم بالطاعة لأبي بكر رضي الله عنه حينما بين لهم الدليل .. والله أعلم.

5)ومنهم من قال: إن هذه الأحاديث التي يستدل بها أهل السنة إنما هي على سبيل الإخبار، وليس فيها أمر يجب امتثاله.

الرد: هذا أمر مردود لأنها أمر في صيغة الخبر، وقد وردت بعض الأحاديث بالأمر الصريح كقوله صلى الله عليه وسلم: (قدموا قريشًا ولا تقدموها) السنة لابن أبي عاصم (2/ 637) بسند صحيح. فهذا أمر منه صلى الله عليه وسلم بذلك، كما أنه لو كان إخبارًا من النبي صلى الله عليه وسلم لتحقق الخبر، وهو أنه لن يتولى الخلافة إلا قريش، لأن خبر الصادق لابد أن يتحقق، لكن الواقع غير ذلك فق تولى الخلافة غيرهم، منهم من يدعي كذبًا أنه قرشي كالعبيدين الذين تسموا بالفاطميين، ومنهم من لم يدّع ذلك كسلاطين الدولة العثمانية، قال ابن حزم في المحلى (10/ 503) : هذان الخبران يقصد حديث ابن عمر ومعاوية السابق ذكرهما وإن كانا بلفظ الخبر، فهما أمر صحيح مؤكد، إذ لو جاز أن يوجد الأمر في غير قريش لكان تكذيبًا لخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر ممن أجازه.

6)واستدلوا على ذلك أيضًا بقوله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فجعل الأفضلية والإكرام بالتقوى لا بالمعايير الأخرى كالنسب ونحوه، بل وردت أحاديث تحذر من التفاخر بالأنساب والأحساب، وتنهى عن العصبية الجاهلية. انظر الأحاديث في البخاري (6/ 156) ومسلم (2/ 644) وأبو داود (14/ 21) مع عون المعبود.

الرد: إن الإسلام باشتراطه أن يكون الإمام قرشيًا لم يكن بذلك داعيًا إلى العصبية القبلية التي نهى عنها في أكثر من موضع، فإن الإمام في نظر الإسلام ليس له أي مزية على سائر أفراد الأمة ولا لأسرته أدنى حق زائد على غيرهم، فالإمام وغيره من أفراد المسلمين سواء في نظر الإسلام، بل هو متحمل من التبعات والمسؤوليات ما يجعله من أشد الناس حملًا وأثقلهم حسابًا يوم القيامة.

هذا وليس معنى أن الإسلام نهى عن العصبية أن الناس لا تفاضل بينهم، بل التفاضل بين الخلق في الدنيا من صميم الفطرة، ووردت أدلة شرعية على ذلك، فجمهور العلماء كما ذكر ذلك شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (19/ 29) على أن جنس العرب خير من غيرهم، كما أن جنس قريش خير من غيرهم، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أن سئل (أي الناس أكرم؟ فقال أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، فقال: فيوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله، قالوا ليس عن هذا نسألك، قال: أفعن معادن العرب تسألوني؟ خياركم في الجاهلية خيراكم في الإسلام إذا فقهوا) . وفي رواية: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) . متفق عليه (6/ 387) مع الفتح ومسلم برقم (1378) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ذهبت الطائفة إلى عدم التفضيل بين الأجناس، وهذا قول طائفة من أهل الكلام كالقاضي أبي بكر بن الطيب وغيره .. وهذا القول يقال له مذهب الشعوبية، وهو قول ضعيف من أقوال أهل البدع. منهاج السنة (2/ 260) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت