ينفر أحدًا عن تصديقهم، ولا يوجب طعن قومهم فيهم؛ ولهذا لم يذكر أحد من المشركين هذا قادحًا في نبوتهم، ولو كانا يرونه عيبًا لعابوه، ولقالوا أنتم كنتم أيضًا معنا على الحالة المذمومة، ولو ذكروا للرسل هذا، قالوا: كنا كغيرنا لم نعرف ما أوحي به إلينا، بل {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} ، فقالت الرسل: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} .
وقد اتفقوا كلهم على جواز بعثة رسول لم يعرف ما جاءت به الرسل قبله من أمور النبوة والشرائع، ومن لم يقر بهذا الرسول بعد الرسالة فهو كافر، والرسل -قبل الوحي- قد كانت لا تعلم هذا، فضلًا عن أن تقر به، فعلم أن عدم هذا العلم والإيمان لا بقدح في نبوتهم. بل الله إذا نبأهم علمهم ما لم يكونوا يعلمون، وقد قال تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} وقال: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} . فجعل إنذارهم بعبادة الله وحده