الحكمة: هي العدل، ورجل حكيم، عدل حكيم، واحكم الأمر أتقنه، ويقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أحكمته التجارب .. والحكيم المتقن للأمور.
وأصله من المنع: ومنه قوله الشاعر
بني حنيفة أَحكموا سفهاكم ... أني أخاف عليكم أن أغضبا
أي ردوهم وكفوهم.
ومنه حَكَمَةُ اللجام ما أحاط بحنكي الدابة، وسميت حكمة لأنها تمنعها من الجري الشديد .. والحكمة مانعة لصاحبها من الوقوع في الخطأ.
* معنى الحكمة في الشرع:
قال الإمام ابن جرير رحمه الله:"القول في تأويل قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن أضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين} ."
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ادع} يا محمد من أرسلك إليه ربك بالدعاء إلى طاعته {إلى سبيل ربك} يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام {بالحكمة} يقول بوحي الله الذي يوحيه إليك، وكتابه الذي نزله عليك {والموعظة الحسنة} يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكرهم بها في تنزيله، كالتي عدد عليهم في هذه السورة من حججه، وذكرهم فيها ما ذكرهم من آلائه {وجادلهم بالتي هي أحسن} يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك"."
وقال الإمام برهان الدين البقاعي في نظم الدرر:" {ادع} أي كل من يمكن دعوته .. {إلى سبيل ربك} أي المحسن إليك، بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه، وهو الإسلام الذي هو الملة الحنفية .. {بالحكمة} وهي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن، والقبح، والصلاح، والفساد، وقيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد، وما لا ينبغي أن يختار، فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد، قال الرماني، وهي في الحقيقة الحق الصريح، فمن كان أهلًا له دعا به {والموعظة} بضرب الأمثال والوعد، والوعيد مع خلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة .. {الحسنة} أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها، ويروق كل نحرير ما ضمنته سرائرها، مع اللين في مقصودها، وتأديتها هذا لمن لا يحتمل إلا ذلك .. {وجادلهم} أي الذين يحتملون ذلك منهم افْتِلهم عن مذاهبهم الباطلة إلى مذهبك الحق بطريق الحجاج .. {بالتي هي أحسن} من الطرق بالترفق واللين والوقار، والسكينة، ولا تعرض عنهم، ولا تجازهم بسيء مقالهم، وقبيح فعالهم صفحًا عنهم ورفقًا بهم، فهو"