فليس أهل الكتاب كلهم سواء في فساد العقيدة وسوء السلوك، بل منهم - كما قال الكتاب الأمين - أمة لا يفرق بينها وبين صالحي المؤمنين فارق بل هم مع صدق إيمانهم يعملون أُمهات الفضائل من أمر ونهي ومسارعة في الخيرات. هكذا يسجل لهم القرآن فضائلهم، ولم يظلمهم شيئًا.
ويؤكد القرآن هذا المعنى مرة أخرى فيقول: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
وفي شأن اليهود خاصة يقول: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} .
إن تاريخ اليهود لم يكن كله مظلمًا، بل مرَّت بهم حقب عروا فيها التوحيد الخالص فتلك تحسب لهم، أما فترات النكسة، والارتداد عن الحق فتخيم على أكثر تاريخهم النبوي، وقد حدث هذا مبكرًا في عهد موسى عليه السلام. إذ اتخذوا من العجل إله لهم من دون الله وموسى بين أظهرهم؟ ولم يكونوا كلهم مجرمين، فمنهم جماعة - أمة - كما يقول القرآن كانوا صحيحى الإيمان وصادقيه، وهذا ما تسجله لهم هذه الآية الكريمة: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} هكذا ينطق القرآن بكل أمانة وصدق؛ لأنه كتاب هداية وتسامح.
وفي النصارى خاصة يقول وهو يتحدث عن أهل الكتاب عمومًا وعن المشركين:
{وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} .