فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 171

السلام، كل منهم يزعم أنه من مِلَّته، فنزل الوحي حاسمًا هذا الخلاف ومبطلًا دعاواهم: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .

وهكذا قطع القرآن عليهم الحُجَّة من أقصر طريق، إذ كيف يكون إبراهيم يهوديًا أو نصرانيًا ولم تكن اليهودية ولا النصرانية معروفة في عصره، ومع هذا الاستدلال المفحم فقد عرَّض بهم القرآن ونسبهم إلى الحمق والسفه في قوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ؛ لأن هذه الدعوى لا يدعيها إلا من ذهب عقله.

ثم يخطو القرآن خطوة أخرى في إبطال دعاواهم، لأن أهل الكتاب قد يتمسكون بنسبهم ونسب أنبيائهم إلى إبراهيم، وهذا حق، ولكن القرآن يستبعد أن يكون للنسب السلالى وزن في هذا المجال. فالاعتبار للاقتداء والتأسَّي في الإيمان والعمل الصالح: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} .

واليهود والنصارى لم يتبعوا إبراهيم، لأن إبراهيم موحَّد وهم أشركوا بالله عزيرًا وعيسى، وحرَّفوا الكتب المنزَّلة على أنبيائهم، وادّعوا لأنفسهم ما لم يدعه نبي مقرب ولا رسول مرسل.

أما الذين اتبعوا إبراهيم في حياته، وبع وفاته، ومنهم خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم -، والمؤمنون بما جاء به، فهم أوْلى النًّاس بإبراهيم عليه السلام.

فانظر كيف ردّ القرآن مزاعمهم بأدلة عقلية وسنن إلهية، وكلها وسائل إقناع سلمية، لم تسل فيها دماء، ولم تحتدم حولها معارك، ولكنها حُجَج بّينات وكلمات حاسمات,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت