ومما لا شكَّ فيه أن الوصولَ لهذه المكانة من السمو لا يتحقَّق بين يوم وليلة، ولا بين قلبين متنافرين متباعدين يكره كلٌّ منهما الآخرَ لشيء فيه ينفِّره منه؛ بل بين قلبين متحابَّين متعاونين، وبالتفاهم وإنكار الذات القائم على مراعاة حق الله - تعالى - مع إدراك أن الإنسان بطبيعة خِلقته ضعيف، وبالتبعية يكثر خطؤه وزلاته غير المتعمدة، خصوصًا بين زوجين جمعهما الله تعالى، ورضي الزوجُ بها زوجة وأمًّا لأولاده، وائتمنها على عِرْضه وماله، وهي مثلُه رضيتْ به زوجًا لها وأبًا لأولادها، وحَفِظتْه في نفسها وبيته.
قال - تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] .
قال الشوكاني في فتح القدير (1/ 682) في تفسيرها ما مختصره:
" {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} عاجزًا غيرَ قادر على ملك نفسه، ودفعها عن شهواتها وفاءً بحق التكليف؛ فهو محتاج من هذه الحيثية إلى التخفيف؛ فلهذا أراد الله - سبحانه - التخفيف عنه"؛ اهـ.
وإذا كان المولى - سبحانه - يخفِّف عن الإنسان لضعفه، فينبغي لكلٍّ من الزوجين التجاوز عن أي هفوة أو زلة من الطرف الآخر، ولا يطلب من شريكه أن يكون مثاليًّا خاليًا من العيوب؛ ولهذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل بتجاوز بعض الهفوات من الزوجة لضعفها، فقال: (( لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِه منها خلقًا رَضِي منها آخر - أو قال: غيره ) ) [11] .
قال النووي في شرح الحديث:
"قوله - صلى الله عليه وسلم-: (( لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنة إن كَرِه منها خلقًا رَضِي منها آخر - أو قال: غيره ) )."